تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٥٤٨ - وباء في النجف
رفيع حتى العلماء الأعلام و الأشراف الكرام، و لم يبق في البلد متاع و لا في الأسواق كفن يباع، و أبى الوالد العلاّمة أن يخرج منها و أمرني بالتصدّي لنفع الفقراء و ملاحظة موتاهم و دفنهم. و كان بعض الفارّين في الحماد، و بعضهم في الكوفة، و آخرون في الجعارة، و منهم في الرحبة، و قد ضربوا الأخبية و أنس بعضهم ببعض، و نحن داخل البلد في أعظم حال و تشويش بال، يفقد في اليوم مئة و خمسون أو أكثر. و كانت الرسائل و نحن في هذه الحال ترد إليّ، يسألني بها أولئك الفارّون و يطلبون أن أخبرهم بتفصيل الحال في البلد و عمّن طعن و عمّن بقي، و أنا في شغل عظيم و همّ جسيم، فساءني ذلك، و كتبت لهم نسخة واحدة كتابا مصدّرا بأبيات، و هي هذه:
لا يبعد القوم الذين عن الحمى # تخذوا لدى الجلى سواه بديلا [١]
من فرّ يوم الزحف عنه فإنّنا # فيه اتّخذنا منزلا و مقيلا
حتى إذا حمي الوطيس و لم نجد # إلاّ طعينا في الحمى و جديلا
لذنا بمرقد من تطوف بجنبه # زمر الملائك بكرة و أصيلا
مستصرخين بقبر ذي البأس الذي # عند الصريخ يردّ عزرائيلا
أتراه يندبه القصيّ فيكشف # الكرب الجلي و لا يجير نزيلا
فسيؤمن المتخلّفين و ينجد # المترحّلين مخافة و ذهولا
و يكون إعلانا لديه رتبة # من لم يفارق ربعه المأهولا
بسم اللّه. عظم الخطب النازل، و جلّ الفادح الهائل، و اشتدّ أمر البلاد، و فرّ السكّان من العباد، فلا رفيقك و لا صديقك و لا حميمك و لا جارك و لا أنيسك و لا كليدارك و لا جعفري و لا باقري و لا إيرواني و لا شوشتري، إلاّ و اتّخذ من الحمى الحيدري بديلا، و عن المغنى العلوي خان المصلّى مقيلا، استبدلوا و اللّه الذنابى بالقوادم و العجز بالكاهل. و ما أنت بأوّل من أسلم عند اصطكاك الأسنّة و ترادف الأعنّة، و ما أنت إلاّ
[١] الجلى: الأمر العظيم، و جمعها جلل.