بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٣٤ - النظر في ما بني عليه المسلك الثالث من أن كل منذور يعد ديناً في ذمة الناذر
من أن الدين في العرف هو المملوك الذمي الذي يكون مالاً، وليس كل ما يتم تمليكه للغير مما يُعدّ مالاً عند العرف، ولا يصح قياس الحج المنذور ــ حتى على القول بكون حقيقة النذر هو التمليك ــ بالحج المستأجر عليه مثلاً، فإن الثاني مما يعدّ مالاً عند العرف بخلاف الأول.
هذا مضافاً إلى عدم تمامية أصل هذا المسلك لما مر في شرح (المسألة ٦١) [١] من أن معنى النذر لغة [٢] وعرفاً هو الإيجاب دون التمليك، وليست (اللام) في قول الناذر: (لله عليَّ كذا) للملكية، لأن مبنى دلالتها عليها ــ على المختار ــ هو الانصراف، ومورده غير ما نحن فيه مما يكون مدخولها ــ وهو الباري عزَّ وجل ــ مما لا يتعارف كونه مالكاً بالملكية الاعتبارية.
بل لو سُلّم أنها للملكية في آية الحج ــ مع أنه غير مسلم أيضاً ــ فلا يُسلّم كونها لها في صيغة النذر، فإنها لو كانت للملكية للزم أن يكون هذا المعنى مقصوداً للناذر، لكونه مُنشأً من قبله فلا بد أن يكون ملتفتاً إليه، مع أن أي ناذر لا يجد من نفسه أنه يملّك الله تعالى ــ بالملكية الاعتبارية ــ العمل المنذور على حدِّ تمليك عمل نفسه للمستأجر في عقد الإجارة.
وأما ما أفاده بعض الأعلام [٣] من أن معنى قول الناذر: (لله عليَّ كذا) هو التعهد لله تعالى بإتيان المنذور على أن يكون العمل ديناً على عهدته، فإن كان مرجعه إلى ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) فالجواب عنه ما مرّ.
وإن كان المقصود به ما هو ظاهره من أن المتعهَد به هو العمل على أن يكون ديناً، فيرد عليه بأنه لا يمكن جعل العمل ديناً بمجرد التعهد بكونه كذلك، بل صيرورة العمل الذمي ديناً تتوقف على تمليكه للغير، على أن يكون ملحوظاً فيه جانب المالية.
هذا ثم إن السيد الأستاذ (قدس سره) أشكل على السيد الحكيم (رضوان الله
[١] لاحظ ج:٤ ص:٥٥٣.
[٢] لاحظ ترتيب العين ج:٣ ص:١٧٧٧، وتهذيب اللغة ج:١٤ ص:٤٢٠، ومفردات ألفاظ القرآن الكريم ص:٥٠٨.
[٣] العروة الوثقى ج:٤ ص:٤٩٩، التعليقة:٣.