رسائل المحقق الكلباسي - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٩٨٦ - هاهنا فوائد
المتعال غريقا فى التضرّع و الابتهال حتّى انّه كرّر لفظ كذلك ثلاث مرّات لادائه صحيحا و لم يتمكّن و حكى بعض اخوانى كنت ليلة فى منزله فلمّا انتصف الليل سمعت صوتا غريبا ما سمعت مثله فى مدّة العمر و خفت من شدّته من تحقيق الامر حتّى انتهضت لتحقيقه فوجدته متحنكا قائما على التّراب متضرّعا مبتهلا خائفا من يوم الحساب و حكى بعض انّه كان فى كثير من الاوقات يصلّى صلاة الصّبح بوضوء صلاة المغرب و العشاء و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و نقل بعض الثّقات انّه كان عند اشتغاله بالتّعقيب يجرى دمعه و يتغيّر لونه فيتبدّل بالحمرة و كان من الممتنع ان يرفع راسه من سجدة الشّكر مع جمود العين و حكى بعض انّه كان فى بعض الاوقات يسجد بين الاذان و الاقامة فى صلاة الجماعة و يتضرّع الى اللّه سبحانه بصوت عال كانّه لم يكن فى المسجد احد من الرجال و حكى بعض انّه قد اسودت و فخذه و لم يكن فيه موضع بياض من كثرة ضرب يده عليها حين التضرّع و الاضطراب فطوبى له و حسن مآب اقول انّ مراده من البعض المذكور كما هو فى الظّهور كالنّور فوق الطّور جدّنا السيّد العلّامة سمّى خامس الائمّة (صلوات اللّه عليهم) الى يوم القيمة و كثيرا ما كان يحكى هذه الامور منه و الظاهر ان الاضطراب و الابتهال على هذا المنوال كان من خصائص هذا البحر الذّخار و شرائف خصال هذا المربوط بعالم الانوار فانّه كان مجمع خصال لا يكاد ان يجتمع فى غيره و مورد اوصاف قلّما يظفر بنظيره بل ذكر فى الرّوضات فى بيان انّه ارفع من ان يصفه الواصفون فى الكتاب او يخرج عن عهدة شيء من ثنائه السنة ارباب الخطاب انّه اجتمع فيه مكارم الاخلاق الانبياء العشرة الكاملة و انتزع عنه من يوم خلقه سائر صفات الخلق الغير العادلة قال رايته فى العقل افضل جميع اهل زمانه بل عين انسان هو انسان عين جميع اترابه و اقرانه و وجدته فى الدّين دانت له قاطبة حفاظه و ديانه و خزانه بل جميع ايمان الخلق جزء من ايمانه و اعتقدته فى العلم افقه من تكلّم على حقيقة شيء من برهانه و تفطّن الى دقيقه فرع من اغصانه و لقيته فى الحلم احلم من كظم الغيظ على الجاهلين بمنزله و مكانه و اجمل من حمل اعباء الخلائق بحسن خلقه و طيب لسانه و الفيته فى الجود معترفا كلّ موجود من رهائن احسانه بنفسه او بعلمه او بماله او بشانه و وافيته فى العرف معروف بين اهل الجوانب من الارض بانه مزين ديوانه و مذيل عنوانه كيف لا و مسجده الاعظم باصبهان يشهد بعلوّ كعبه و رفقه بنيانه بل هو آية من آيات ملكه و علامة من علامات سلطانه و شاهدته فى البرّ اوصل كلّ احد من قاطعين من رحمه و اخواته و باصرته فى الصبر و املكهم للنّفس عند تراكم اشجانه و توارد هزاهزه و آخر انه فلم يترجّح ميزان احد من الصّابرين على ميزانه و عاينته فى الشّكر فوق كلّ من شكر ربّه بجنانه و اظهره بنطقه و بيانه و ثلثهما بالعمل باركانه و شبهته فى اللّين سيّد المرسلين (صلوات اللّه تعالى و سلامه عليه) مع جميع اقوامه و اخدانه فاستوفى مراتب المعارف و الاخلاق باسرها و استقصى مدارج المكارم و الآداب باصبارها و صار بين انجم العلماء كانه بدر التّمام و جنب ابحر الكرماء كانه البحر الطّمطام علماء فائقا فى المعالى سائر فضلائنا الاعلام و حجّة كاملا من مواهب الرّحمة قد اعطاه الزّمام فى هذه الايام انتهى و ممّا ذكرنا ظهر انه كان عليه ان يزيد و ايقنته فى شدّة تضرّعه و وجيب اركانه و كثرة ابتهاله و اضطراب بنيانه وحيدا فى عصره و فريدا فى اوانه بل لو قيل لم يعرف نظيره لكان صادقا فى بيانه و اذا بلغ الكلام فى هذا المقام فقد اعجبنى ان اذكر بقية ما ذكره فى بيان الحال على سبيل الاجمال قال و له اعلى اللّه تعالى مقامه من المصنّفات الرّائقة كتاب مطالع الانوار فى شرح شرايع الفقه لم يخرج منه غير مقاصد كتاب الصّلاة الى آخر احكام الاموات فى خمسة مجلّدات إلّا انّه مشتمل على اغلب قواعد الفقه و ضوابطه الكليّات بل محتو على معظم مسائله المتفرقة من الطّهارة الى الدّيات و امّا تفصيله المقاصد فى غاية التّدقيق و تذييله المطالب مع رعاية التّحقيق فهو من البالغ مبلغا ليس يصل اليه افئدة اولى الالباب فالاحسن التّجاوز عن مرحلة التّوصيف لهذا الكتاب و كان يذهب الى وجوب اقامة الحدود فى زمن الغيبة على المجتهدين و يقدم على اجزائه بالمباشرة
او الامر بحيث بلغ عدّة ما قتله (رحمه اللّه) تعالى فى سبيل ربّه من الجناة او الجفاة و الزناة او المحاربين او اللاطين زمن رئاسته للدّين ثمانين او تسعين و قيل مائة