تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٤٢٦ - سنة ١٢٣٨ هـ-١٨٢٣ م خزانة الحرم المطهر و صلح الدولتين
فتعلّل و ماطل، و قال: أخشى أنّ البلد لم تحصل لها الحصانة لحفظ تلك الخزانة.
فامتعض الشيخ من ذلك و عزم على السفر إلى بغداد بنفسه، و استاء عموم العلماء و الأعيان و الأشراف و سائر الطبقات، لأنّهم جميعا يرون أنّ حفظها في الحضرة المنوّرة كما كانت منذ تكوّنت أعزّ عليهم من أنفسهم و نفائسهم و من أموالهم و ذراريهم. نعم يرون أنّها وديعة السلف إلى الخلف، و أن السكوت و الإغماض خيانة للّه و لرسوله.
و لمّا كثر القال و القيل بلغت الواقعة إلى سمع والي إيالة الغرب حاكم كرمنشاه (قرمسين) -و عامة الحدود بين العراق و إيران من نواحي سناندج إلى الحويزة و المحمّرة و نواحيها-و هو محمد علي ميرزا بن سلطان إيران في ذلك العصر فتح علي شاه القاجاري، و كانت له بعض الهنات الموجبة الاستياء من حكومة الاتراك، فجمع الأكراد و زحفوا تحت قيادته للهجوم على بغداد، و ضربوا خيامهم و جعلوا معسكرهم في الشمال الشرقي من دار السلام على مرحلتين أو ثلاث من سامراء، و لم يكن فيها من القوّة ما يكفي لدفاع عشر ذلك السيل المتراكم، و لم يبق بينهم و بين الفتح إلاّ عشية أو ضحاها، فاضطر داود باشا إلى الاستعانة بالشيخ موسى لإصلاح الحال و حفظ النفوس و حقن الدماء، سيّما و قائد الحملة محمد علي ميرزا كان مقلّدا للشيخ موسى، فلم يجد الشيخ موسى بدّا من السفر بنفسه لملاقاة القائد المزبور بعد تمهيد مباني الصلح مع الوزير داود باشا، فتوجّه إلى بغداد في أواخر العقد الرابع من القرن الثالث عشر، ثمّ بعد إنهاء المفاوضة مع الوزير أصعد إلى سامراء، ثمّ اجتمع بالقائد الخطير محمد علي ميرزا، و ألزمه بالصلح و إرجاع تلك الجموع المتدافعة تدافع السيل، فأجابه على شروط حرّرت و أرسلت إلى بغداد فأمضاها داود باشا و تمّ الصلح، و حقنت دماء المسلمين، و اشتهر من ذلك اليوم الشيخ موسى بالمصلح بين الدولتين حيث كفى اللّه المؤمنين القتال ببركاته، و رجع إلى بغداد مؤيّدا منصورا، و أرجع الخزانة معه، كما سيأتي في أحداث السنة القادمة.