تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ١١ - وقعة البويب (يوم النّخيلة)
طريقه، و طلع جرير على الجوف و من سلك معه طريقه فانتهوا إلى المثنى و هو على البويب و مهران من وراء الفرات بإزائه، فاجتمع عسكر المسلمين على البويب ممّا يلي موضع الكوفة اليوم، و عليهم المثّنى و هم بإزاء مهران و عسكره، فقال المثّنى لرجل من أهل السّواد: ما يقال للرقعة التي فيها مهران و عسكره؟فقال: بسوسيا، فقال المثّنى:
أكدى مهران و هلك!نزل منزلا هو البسوس.
و أقام المثّنى بمكانه حتى كاتبه مهران إمّا أن تعبروا إلينا، و إمّا أن نعبر إليكم، فقال المثّنى: اعبروا، فعبر مهران فنزل على شاطىء الفرات معهم في الملطاط [١] ، فقال المثّنى لذلك الرجل: ما يقال لهذه الرقعة التي نزلها مهران و عسكره؟قال: شوميا- و ذلك في رمضان-فنادى في الناس: انهدوا لعدوّكم، فتناهدوا. و قد كان المثّنى عبّأ جيشه و قام فيهم خطيبا، فقال: إنّكم صوّام، و الصوم مرقّة و مضعفة، و إنّي أرى من الرأي أن تفطروا ثمّ تقووا بالطعام على قتال عدوّكم، قالوا: نعم، فأفطروا.
سار جرير نحو الجسر، فلقيه مهران بن باذان-و كان من عظماء فارس-عند النّخيلة [٢] قد قطع إليه الجسر، فاقتتلا قتالا شديدا، و شدّ المنذر بن حسّان بن ضرار الضبّي على مهران فطعنه فوقع عن دابّته، فاقتحم عليه جرير فاحتزّ رأسه، فاختصما في سلبه، ثمّ اصطلحا فيه، فأخذ جرير السّلاح، و أخذ المنذر بن حسّان منطقته.
و روي أنّ مهران لمّا لقي جريرا، قال:
إن تسألوا عنّي فإنّي مهران # أنا لمن أنكرني ابن باذان
و روى الطبري، عن أبي روق، قال: و اللّه إن كنّا لنأتي البويب، فنرى فيما بين موضع السكون و بني سليم عظاما بيضا تلولا تلوح من هامهم و أوصالهم. و إنّهم كانوا يحزرونها مئة ألف، و ما عفي عليها حتى دفنها أدفان البيوت.
[١] الملطاط: من أسماء موضع النجف، تقدّم الكلام عنه في الجزء الأول من كتابنا.
[٢] النّخيلة: بلدة بظهر الكوفة، تقدّم الحديث عنها في مواضع النجف العامة في الجزء الأول من كتابنا.