شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٧٥ - المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات الله تعالى
و قوله عليه السّلام: «فانف عن اللّه» الى آخر ما نقلنا، بيان لسلوك طريق الحق في هذا المطلب أي الاستنباط من القرآن، و ذلك لأنّ فيه آيات كثيرة موهمة للتشبيه فلا يمكن حملها على الظاهر، و لمّا لم يكن لنا طريق الى الفهم سوى التوسّل بالمعاني المشتركة و المفهومات المنتزعة من الأشياء و كل ذلك يوجب التشبيه و التشريك فلا محالة يؤدّي ذلك الى أن يسلك بعض الأوهام سبيل النفي و التعطيل، فلذلك أمر الإمام عليه السّلام بعد الرجوع الى القرآن بأن ينفى عن اللّه تعالى البطلان و هو أن يخرجه من رتبة [١] الوجود و الشيئية و ينفى عنه التشبيه و هو أن يعتقد أنّه شيء مثل الأشياء، موجود من سنخ الموجودات فلا نفي إذ هو موجود بحق الموجودية و شيء بحقيقة الشيئية، و لا تشبيه لأنّه موجود لا كالموجودات و شيء لا كالأشياء، و هكذا في جميع الصفات، فهو حيّ لا كالأحياء و عالم لا كالعلماء و قادر لا كالقادرين و فاعل لا كالفاعلين.
و هذا التوسط بين النفي و التشبيه هو طريقة أهل البيت و خلّص شيعتهم و كمّل تابعيهم، و إلى هذا التوسّط أشار الإمام عليه السّلام بقوله: «هو اللّه الثابت الموجود»، فالهوية المحضة متقدّمة على الألوهية، و «الثبوت» من الأوصاف الألوهية و هو إشارة الى ثبوت الذات الأحدية بمحض ذاته المقدّسة و «الموجود» عبارة عن كون الذات بحيث لا يخلوا عنه ذرّة من الذرات.
ثمّ انّه عليه السلام أشار الى أنّ استنباط هذه الصفات بل استخراج الأحكام الإلهية من القرآن المجيد ليس في وسع كل أحد من آحاد الناس الّا من اصطفاه اللّه من أهل الوحي و التحديث و من امتحن اللّه قلبه للإيمان بهم، فقال عليه السّلام:
«تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون» بعد ما أشار الى الاستنباط من القرآن للهداية، الى ما ذكرنا من أنّ علم القرآن ليس الّا عند من قرنهم [٢] النبي صلّى اللّه عليه و آله بالقرآن في قوله: «انّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّه و
[١] . رتبة: رتبته د.
[٢] . قرنهم: فرتهم د.