شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٦٥ - الفائدة الرابعة في شرح قوله عليه السلام «فبالاختيار و الاكتساب عاقبهم الله و أثابهم»
و الداعي على العقوبة و الإثابة هو عدل اللّه المقتضي لوضع كلّ شيء موضعه، و بيان ذلك على الإجمال- و سيأتي تفصيله في آخر الكتاب في الأبواب اللّائقة إن شاء اللّه تعالى- هو أنّ الأرواح في شرفها و علوّها كانت في الملكوت الأعلى و هذا [١] العالم بطباعه تقتضي لساكنه نفوذ الإرادة حيث ما يتعلق به و من ذلك يتولّد الدواعي من تلك الأرواح لما ليس لها بحقّ كالربوبية و الاستكبار و الاستقلال بالأمر حتى أنّ بعضها عصى أمر الربّ تعالى، و شاركه البعض [٢] أو ارتضى به، فاقتضى عدل اللّه أن يهبطوا الى الأرض ليعرفوا مرتبتهم و يرتقوا من معرفة أنفسهم الى معرفة ربّهم و أنّهم عباد مربوبون و لمّا لم يمكن [٣] حصول ذلك الّا بإرسال رسل مبشّرين و منذرين يعلّمونهم طريقة معرفة النفس و الربّ اقتضت حكمة الربّ تعالى أن يهبط بعض آخر من تلك الأرواح لهداية هؤلاء الأشباح و إغاثة تلك النفوس بألسنة فصاح و تقنين [٤] قوانين الفلاح، قال تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ [٥] فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى [٦] و الأوضاع الشرعية في كل زمان انّما هي هداية طريق الوصول الى الملكوت الأعلى و مقام القرب الى اللّه تعالى، فكل من اقتفى إثر نبي زمانه و الأوصياء من بعده نجى من سجن هذه الدار الفانية و فاز الى المرتبة العالية و من لم يسلك طريقة نجاته و اتّبع هواه و اقتدى بآبائه و رهبانه و أحباره [٧] السالكين [٨] سبل الضلال فانّه لا يصل الى الملكوت الأعلى، لأنّه لم يسلك السبيل حقّها فيبقى في العذاب الدائم أبدا و لا يفتح له أبواب السماء و لن يدخل الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط أعاذنا اللّه من ذلك.
[١] . هذا: هذه ج.
[٢] . البعض: بعض د.
[٣] . لم يمكن: لم يكن د.
[٤] . تقنين: يقنن م.
[٥] . البقرة: ٣٨.
[٦] . طه: ١٢٣. و ما في النصّ كأنّه آية واحدة.
[٧] . أحباره: أخياره م، أخباره ج.
[٨] . السالكين: للسالكين م.