شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦ - التمهيد الثاني في أن المكان و الزمان من لوازم الجسم
العقلي و إن اشتمل على الجواهر العقلية و الأنوار القدسية لكن ليس البعض هناك بممتاز [١] عن الكل، و لا الكل بممتاز عن القلّ، بل الكل هناك في [٢] الكل على ما ساق إليه البرهان و رآه عيون أرباب العيان. و لمّا كان في كوامن تلك الأنوار المندمجة في العقل طلب الظهور و الإظهار، و ذلك ممّا علمه اللّه العالم بالأسرار و أظهره اللّه للعقل الذي هو معدن الأنوار، صدرت الهيولى النورية عن العقل من تلك الحيثية الطلبية، فصارت قابلة محضة [٣] و قوّة صرفة. و لمّا كان جود الواهب الفيّاض و فضل المتفضّل بلا أعواض [٤] أن يهب كل مستحق ما يستحقّه و يعطي كل مستعدّ ما يستعدّ له، صدر أمر اللّه الذي لا مردّ له الى الخزانة العقلية أن يعطي للهيولى المستحقة ما سأله بلسانها الحالي، و طلبه بالطلب الذاتي، فامتثل العقل، فتصوّر بصورة النفس الكلية لتصوير المادة القابلة بالصورة النورية. و لمّا لم يكن في المادة هناك شيء دون شيء و لا فيها اختلاف ضوء و فيء، استدعت صورة كلية تناسب طلبها و لا تناقض صورا أخرى إذا كانت بعد [٥] ذلك تستدعيها؛ فقد تمّت حقيقة الجسم هناك من حيث مرتبتها العرشية، فانعكست الأنوار العقلية في تلك الزجاجة العرشية انعكاس النجوم الزاهرة [٦] في الزجاجة بحيث لا يتعيّن موضع عن موضع، لكن امتازت بذواتها دون تعيّناتها، فحدث مكان الأمكنة؛ و هو المرد ب «البعد المكاني» في نظر أفلاطون الإلهي تشبيها لها بالبعد المكاني المقداري، و الّا فلم يتحقّق هناك مقدار حتى يتميّز مكان تلك الأنوار، فتمايز [٧] تلك الأنوار في هذه المرتبة بمحض ذواتها و بحسب نفس حقائقها بخلاف المرتبة العقلية، فانّها فيها كالمستهلك بذواتها، و فانية في علتها.
[١] . بممتاز: يمتاز د.
[٢] . في:+ كل د.
[٣] . محضة: محصنة ن.
[٤] . أعواض: أعراض م.
[٥] . بعد: بعيد ك.
[٦] . الزاهرة: الظاهرة م ج د.
[٧] . فتمايز: فيتمايز د.