شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٠ - الحديث الرابع لا يسأل عن الله «أين كان؟»
و الأرض؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله: في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء» [١] فمن أين التوفيق بين الخبرين و بأيّ وجه يرتفع التدافع من البين؟! فنقول- و [٢] اللّه وليّ التوفيق-: انّ «العمى» بالعين المهملة في هذا الخبر روي بالقصر، و كلمة «ما» الفوقانية و التحتانية نافية، و لمّا كانت مرتبة الألوهية مقام الحيرة [٣] و كل من تكلّم فيه فقد [٤] جهل ما تكلّم به و تخيّل أنّه قد أصاب و هو مخطئ غاية الخطاء، لأنّ الألوهية لا تنحصر في حدّه، و ما كان كذلك لا يحدّ كنهه، فحدّ الألوهية لا يمكن، فهي مقام الحيرة، فقوله عليه السلام: «في العمى» إن كان بالقصر فمعناه: الحيرة و عدم تعلّق المعرفة، لأنّه حارت البصائر و الألباب [٥] في إدراكه، فمن أيّ وجه يمكن طلبته؟ و إن كان بالمدّ و هو الغيم الرقيق، و يلائمه [٦] نفي الهواء من فوقه و من تحته، فقد دلّ عليه و آله السلام بموجود برزخيّ بين السماء و الأرض، جاعل للماء الذي به حياة كل حيّ بل وجود كل شيء، و من البيّن أنّ في البرزخ حارت الحيرة، فكيف أنت بالمتحيّرين! ألا ترى الى حيرة أهل العقل في البرزخ بين الدنيا و الآخرة، و في الخط الفاصل بين الظلّ و الشمس، و في صورة المرآة التي هي برزخ بين الوجود و العدم، و كذا المتوهّم بين الخطّين و المتوهّم بين السطحين، الى غير ذلك من البرازخ، و هو في المقامات و المراتب البدوية و العودية في نهاية الغموض و الدقّة و زيادة الحيرة على الحيرة فقد دلّ صلوات اللّه عليه و آله بالكلمة البرزخية الى الحيرة، و الّا فقد روي عنه صلّى اللّه عليه و آله في نفي المكان عن اللّه ما لا يفي [٧] بذكره الكتابة و الرواية؛ هذا ملخّص ما قاله بعض أهل المعرفة مع أدنى زيادة.
[١] . سنن الترمذي، ج ٥، ص ٢٨٨: «قلت: يا رسول اللّه أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء و ما فوقه هواء».
[٢] . و:- ن.
[٣] . الحيرة: الخبرة ن.
[٤] . فقد:- د.
[٥] . الألباب: الألقاب د.
[٦] . يلائمه: ملائمة ن.
[٧] . ما لا يفي:- د.