شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٢٠ - الحديث الأول في إثبات أن المدبر واحد
السّلام: و لكن أثبتّه إذ لم يكن بين النفي و الإثبات منزلة.
الشرح: لمّا كان «الإثبات» في ظاهر الأمر عبارة عن الحكم بثبوت الشيء و وجوده، و إثبات الوجود في متفاهم الجمهور هو أن يكون له فرد أو حصّة من هذا الوجود العام المقول على الأشياء، و ذلك يستلزم المحدودية لا محالة لأنّ صدق العام على ما تحته انّما هو بأنّ هذا الفرد على حدّ منه، و ذلك الفرد على حدّ آخر، لا يتجاوز أحدهما عن الحد الذي يضرب له و لا يترك الحدّ الذي يفرز له، و قد ثبت بالبراهين القاطعة أنّ المبدأ الأول تعالى شأنه لا يحصره حدّ محسوس و لا معقول، و لا يحيط به نهاية إدراك العقول و الّا لزم فيه التركّب من الجهات و تكثّر المعاني و الاعتبارات- تعالى علوّ مجده عن ذلك- أورد السائل هذا الإشكال، فأجاب الإمام عليه السّلام عنه بقوله: «لم أحدّه» أي لم أحكم له بالوجود المقول على الأشياء حتى يلزم التحديد الذي قلنا. «و لكن أثبتّه» على صيغة المتكلّم للماضي أي ذكرت البرهان على إثباته من جهة حاجة الأشياء الى صانع مخالف للأشياء من جميع جهاتها، لأنّ افتقارها إليه بجميع جهاتها و حالاتها، و ذلك لا يستلزم أن يكون وجوده من سنخ وجود الأشياء أو من أفراد الوجود المقول عليها، بل اللازم من ذلك البرهان أن يكون وجوده بخلاف طبيعة وجود الأشياء كما بيّنا من أنّه يجب أن يكون مخالفا للأشياء، و لا من سنخ وجوداتها فلم يلزم تحديده تعالى و لا حصره تحت مفهوم أصلا.
و في قوله عليه السّلام: «و لكن أثبتّه» إشعار لطيف بأنّ الإثبات لا يستلزم الحكم بهذا الوجود العام و الّا لكان ينبغي أن يقول: «و لكن أثبت وجوده فقط» و ذلك بيّن بأدنى تأمّل، لأنّه لم يكن بين الإثبات و النفي منزلة و ليس الوجود و العدم كذلك لتحقّق المنزلة بينهما، فالمراد من التعليل أنّ الإمام عليه السّلام كأنّه قال: انّي قد أثبت الصانع لأنّي قد أخرجته من حدّ النفي بقولي: «فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين» فإذا أخرجته من النفي فقد أثبته فقط. و قد بيّنا أنّ الإثبات لا يستلزم الحصر و التحديد، نعم لو استلزم الوجود الذي للماهيات لكان تحديدا لا محالة.