شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٦ - الحديث الثاني وجه أنه لا يقال عليه تعالى «متى كان؟»
المهالك! اللّهمّ انّي لا أصفك بما و صفوك، و أقدّسك عمّا توهّموك، و أقول: قال اللّه عزّ من قائل: وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [١] و لمّا لم يختلف عليه سبحانه حال بعد حال فهو قائم مقام كل شيء قبل الإيجاد، كما أنّه أولى بكل شيء من نفسه بعد الإيجاد، فلم يكن مستوحشا قبل الابتداع، حتى يستأنس بعد الاختراع، و «أصدق قيل قالته العرب: «ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل». [٢]
قوله: «و لا يشبه شيئا مكوّنا» كالتأكيد للجمل السابقة و إبطالا [٣] لعقائد من لم يأخذ علمه من أصول أهل العصمة، حيث زعموا اشتراك الممكنات معه سبحانه في كثير من الصفات الكمالية.
قوله: «و لا كان خلوا من القدرة على الملك قبل إنشائه و لا يكون منه خلوا بعد ذهابه» هذا كالبيان و التوضيح لقوله عليه السلام، «و لا كان مستوحشا» فقد حكم عليه السلام بقوله: «و لا قوي بعد ما كوّن» الى هاهنا بكون وجوده سبحانه لم يتجزّأ و لم يتبعّض الى الأشياء و لم يتزايد و لم يتناقص بها، فهو أبدا كما كان أزلا، و هو ظاهر كما كان باطنا، و الأشياء بالنسبة إليه سبحانه على الهلاك المحض و الليس الصرف، و انّه هو الفرد الواحد الذي لم يكن له ثان من خلقه، فتعالى اللّه عمّا يشركون.
ثمّ انّ الوجه في تغيير الأسلوب في هاتين الفقرتين حيث نفى في الأول الخلو من القدرة، و في الثانية نفى الخلو عن الملك، هو أنّ الأولى بالنظر الى الفاعلية التامة و كمال الفاعل المطلق أن يكون قادرا مطلقا لا يخلوا عن القدرة على الإنشاء في أيّة مرتبة من المراتب، و الثانية بالقياس الى الألوهية الكبرى التي لا يعزب عنها مثقال ذرّة في الأرض و لا في السماء ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [٤] و إِلى رَبِّكَ
[١] . هود: ١٢.
[٢] . كلام منقول عن النبي (ص) كما في صحيح البخاري، باب أيّام الجاهلية، ج ٥، ص ٢٣٦؛ صحيح مسلم، كتاب الشعر، ج ٤، ص ٤٤٢؛ مصباح الشريعة، الباب ٦٧؛ ديوان لبيد، تحقيق ضياء الخالدي، ص ١٤٨.
[٣] . إبطالا: إبطال د.
[٤] . النحل: ٩٦.