شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٧٧ - تحقيق حكمي في أن معرفته تعالى بتوسط الغير ليست من التوحيد بشيء
عرفت غير مرّة انّ من خواصّ تلك الوحدة استهلاك الكثرة و التعدد عندها، و هذا هو معنى قوله عليه السّلام: «و انّما هو واحد موحّد» و جاء بأداة الحصر لانحصار الوحدة الحقيقية [١] فيه تعالى. و هي التي استأثر اللّه نفسه سبحانه بها، و أكّد ب «الموحّد» على صيغة المفعول للتفعيل التكراري أي هو وحدة في وحدة مرّة بعد مرّة، و ذلك كناية عن الوحدة الغير العددية، و لهذا استبعد الإمام عليه السّلام كمال الاستبعاد لمن يوحّد أي يقول بحق توحيد اللّه حيث عرفه بغيره من الأسماء و الصفات و سائر المخلوقات.
ثمّ أرشد طريق التوحيد بقوله: «و انّما عرف اللّه من عرفه بالله» على صيغة الحصر أيضا لانحصار الطريق فيها، قال عليه السّلام: «انّما عرف اللّه [٢] بالوحدانية من ينفي عن نفسه و عن كل شيء الثبوت و التذوّت و لا يراهما الّا للّه تعالى، فحينئذ لم يبق في نظر معرفته الّا اللّه، فهذا هو الذي يعرف اللّه باللّه، فهو سبحانه الدليل و المدلول عليه، و في أدعية [٣] أهل البيت عليهم السلام: «الخلق خاضع لك خاشع حتى لا يرى نور الّا نورك و لا يسمع صوت الّا صوتك» و سيجيء تفصيل هذا البيان في شرح قوله عليه السّلام: «اعرفوا اللّه باللّه» إن شاء اللّه، و قد كنت في سالف الزمان علّقت على هامش الكتاب هكذا:
لأنّ توسّط [٤] الغير في المعرفة تشريك و إثبات للغير، فمعرفته سبحانه انّما يكون به عزّ شأنه بأن يصير العبد فانيا عن الكل باقيا باللّه فيصير هو سبحانه سمعه و بصره بل كلّه، فيسمع باللّه و يبصر باللّه و يعرف بالله، لأنّ اللّه عزّ و جلّ لا يعرفه الّا هو، فهو سبحانه يعرف بنفسه لا بغيره و من اعتقد أنّه عرفه بغيره فلم يعرفه سبحانه بل عرف غيره، لأنّه عزّ و جلّ بواسطة غيره لا يمكن أن يعرف كما في دعاء عرفة لسيّد الشهداء عليه و على آبائه و أبنائه ألف صلاة و ثناء: «أ لغيرك من
[١] . الحقيقية: الحقيقة د.
[٢] . من عرفه ... انّما عرف اللّه:- د ج ك.
[٣] . أدعية: أدعيته ج.
[٤] . توسط: توسيط د.