شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٩٦ - الحديث الثالث سئل أمير المؤمنين(ع) عن قدرة الله جلت عظمته
خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [١] إشارة الى وجوده في العالم العلوي ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [٢] فوجب على السالك الى اللّه في الرجوع إليه سبحانه من الرجوع القهقرى فلا بدّ من خرق تلك الحجب و خلع هذه الغواشي ليصل الى العالم العلوي الذي كان مقامه الأصلي الذي فوق السماء فعلى ما ذكرنا يكون أول الحجب بمعنى المبدأ لها الذي يتشعّب منه و من أحكامه و آثاره سائر الحجب التي بعده، و ذلك كلّه في العالم الآفاقي و بإزاء كل مرتبة من حجب أنفسية يناسب كل واحدة ما بإزائها بحيث يستلزم رفع ما في الأنفس رفع ما بحذائه من الآفاق؛ و لهذا سرّ عظيم لا ينبغي كشفه.
فأوّل الحجب الآفاقية بالمعنى الذي قلنا هي السماوات السبع لقوله تعالى:
وَ لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ [٣] و لقولهم الشائع بينهم: «و الذي احتجب بالسبع» و انّما نهى مولانا علي عليه السّلام عن ذلك القول كما ورد في الخبر [٤]، لأنّ اللّه لا يحجبه شيء و لا يحتجب [٥] بشيء و انّما الحجاب على الخلق فمعنى ما ورد: «انّ للّه سبعين حجابا» ليس أنّ ذلك مما احتجب هو به بل بمعنى أنّ في طريق السلوك الى اللّه هذه الحجب، و انّما نسب الى اللّه لأنّ الكل منه و له، فاعرف!
ثمّ انّ بإزاء هذه الحجب السبع الآفاقية سبعة حجاب أنفسية لقوله سبحانه:
خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ كلّما رفع السالك الى اللّه واحدا منها فكأنّه خرق سماء و ولج فيها و عرج إليها، كما قال المسيح: «لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين» فالتولد الأول ظاهر، و الثاني هو الخروج عن هذه
[١] . التين: ٤.
[٢] . التين: ٥.
[٣] . المؤمنون: ١٧.
[٤] . مرّ سابقا في شرح حديث ٢١ من باب نفي المكان و الزمان و الحركة عنه تعالى، راجع:
التوحيد، ص ١٨٤.
[٥] . يحتجب: تحجب د.