شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٥ - الحديث الثاني وجه أنه لا يقال عليه تعالى «متى كان؟»
سبحانه حين الوجود على العدم الذاتي و الهلاك الأصلي كما كانت حالهم كذلك قبل وجودهم، و بهذا أبطل عليه السلام معتقد جمع كثير من أهل العلم حيث زعموا أنّ ما صدر عنه الشيء الأول الذي خلق [١] منه الأشياء تحقّقت الاثنينية، و ذلك باطل لما مرّ غير مرّة. و قوله: «و لا كان ضعيفا قبل أن يكوّن شيئا» أي لم يكن ناقصا حتى يستكمل بتكوينه الشيء؛ و ليس الجملة الأولى بمغنية عن ذكر هذه الجملة لأنّ الزيادة على الشيء لا يستلزم نقصانه كما لا يخفى. و هذا الكلام لإبطال قول جماعة ذهبوا الى أنّه أبدع العقل ليكون هو مصدرا لما بعده، و لقول آخرين أنّ العقل الأول هو منشأ علم اللّه التفصيلي بالأشياء، و هكذا ما بعده تفصيل التفصيل الى منتهى أصول الوجود.
قوله: «و لا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا» إفادة للسرّ المشكل و الأمر المعضل؛ فبيانه على طريقة الأقدمين من الحكماء ما ورد عنهم: أنّ مالك الأشياء هو الأشياء كلها، و هذا بظاهره غير مرضيّ، و كذا ما ذكر أرسطو في أثولوجيا في بيان أنّ علمه سبحانه ليس بالصّور المنطبعة في ذاته عزّ شأنه، حيث قال: «إنّ ذاته مثال كل شيء و المثال لا يتمثّل» [٢] و على طريقة أهل العرفان على ما قال بعضهم في صدور الأشياء عنه تعالى: «انّها شئون يبديها لا شئون يبتديها» [٣] و بهذه الكلمات و إن كان يستصحّ عدم استيحاشه سبحانه قبل الإبداع، لكن ينبغي أن يكون غرض هؤلاء الأفاضل معنى شريفا و سرّا عظيما يقصر عنه العبارات، و لا يفي ببيانه الإشارات، لا أنّ الأولين أرادوا بقولهم أنّه كالكلّ أو الكلي، و لا أنّ معلّم الحكمة قصد الى أنّه مجموع صور الأشياء و مثالاتها حتى لا يتمثّل فيه شيء ثانيا، و لا أنّ الآخرين حكموا بأنّ الأشياء فيه تعالى كامنة مستترة كمون الأوراق و الأغصان و الأثمار في البذر و الحبّ، حاشاهم عن ذلك و شأنهم أرفع من أن يقعوا [٤] في تلك
[١] . قد استنسخ نسخة «ج» من أول الكتاب الى هنا بخط آخر، و فيها أخطاء كثيرة و لذلك لم أعتمد عليها و إن نقلت بعض اختلافها مع سائر النسخ.
[٢] . اثولوجيا، الميمر العاشر، ص ١٦٣.
[٣] . الكشّاف، ج ٤، ص ٤٤٨؛ التفسير الكبير للرازي، ج ٢٩، ص ١٠٩.
[٤] . يقعوا: يقيّعوا ج ن.