شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٦ - التمهيد السادس المكان و الزمان متحاذية المراتب و هما عرشان عظيمان للعوالي و السوافل
شخصان قائمان على بساط القرار و الاستقرار، متوجّهان شطر كعبة الملك الجبّار، يحملان أعمال العباد من دار الفناء الى دار البقاء، فهذه الأيّام و الليالي إبل قطار يسير بقوافل الخلائق الى دار القرار، و تلك الشهور و السّنون المواضي [١] مستقبلات [٢] نحو اليوم الموعود مع الروائح و الغوادي، فكما أنّ الجبال مع جمودها في الحسّ و الحسبان تكون دائما في السيلان كما قال اللّه تعالى ذلك في الكتاب: وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [٣] كذلك الأزمان و الأوقات مع تقضّيها و سيلانها في الحس مستقرّة الذوات ثابتة الماهيات في نظر العقل و النفس، فتعاكست الأحوال الى الأمور المحسوسة ليتفطّن [٤] العارف بأنّ الجمود الظاهري لا ينافي في السيلان الباطني، و الاضطراب الحسي لا يضادّ القرار و الثبات العقلي، قال جلّ و علا: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [٥] على أن يكون اللام للتوقيت، و هو إحدى الاحتمالات- كما ذكره أرباب التفسير [٦]- و هذا أحد وجوه الإعادة كما قال عزّ شأنه: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [٧] و ذلك يعمّ كل موجود لا يشذّ منه مقبول و لا مردود، و من هذا الأصل يستصحّ ما ورد في الأخبار المتكثرة من أنّه ينشر يوم القيامة للعبد صحائف بعضها سوداء و بعضها بيضاء و بعضها مختلطة و هي الأيّام التي عمل فيها حسنة أو سيّئة أو لم يعمل، الى غير ذلك، و لعلّه يشير الى ذلك قوله تعالى: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [٨] حيث عبّر عن الوقت و اليوم ب «الطائر» لثباته و عدم قراره فتبصّر!
[١] . المواضي: الماضة م.
[٢] . مستقبلات: المستقبلان د.
[٣] . النمل: ٨٨.
[٤] . ليتفطّن: لتفطّن د.
[٥] . يس: ٣٨.
[٦] . منها: التفسير الكبير للرازي، ج ٢٦، ص ٧١.
[٧] . الروم: ٢٧.
[٨] . الإسراء: ١٣.