شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٢ - محاكمة عرفانية في الجمع بين رأيي الحكيمين - أفلاطون و أرسطو - في المكان
صورة خاصة و مرتبة مخصوصة، ففي الطبيعي ينبغي التعرض للمكان بالسطحية لأنّ المكان لموضوعات هذا العلم ليس الّا السطح كما شرحنا ذلك حقّ الشرح، و في الإلهي حكم بما حكم به استاده أفلاطون الإلهي، لأنّ النظر في هذا العلم في مكان الأمكنة الذي هو عرش المكانيات و لا يليق التعبير عنه الّا بالبعد بطريق التشبيه و التنبيه على أنّ ما في هذا العالم قشور للباب ذلك العالم، كما أنّ السطح كالقشر للبعد.
ثمّ انّ غرضهما- شكّر اللّه مساعيهما- بعد ما عرفت منّا كيفية وجود المثل العرشية التي هي الحقائق الأصلية للأمور الطبيعية من أنّ الأنوار المنعكسة من العالم العلوي على الجسم العرشي الذي هو كالمرآة التي انبسط خلفها الزيبق المقداري و هو الوجه الذي له إلينا لا تمايز لها بالسطوح و لا مقارنة لها بالأبعاد و النهايات، إذ النهاية بعدها و هو الجهة التي تلينا، بل التمايز بمحض الذوات و المقارنة بأنّ كلّا في المرتبة التي انعكس فيها كأنّه في فراغ و فضاء و هو مرتبة وقوع ذاته، لا أنّ هاهنا سطحا يحيط به، إذ ليس في تلك المرتبة سطح و لا بعد و لا نهاية و لا حدّ، فليس كل واحد من هذه المثل بمنفرز الذات عن الجسم العرشي حتى يسع هو فيه و يحيط هو به [١]، بل ذاته هي تلك الحقيقة الجسمية متعيّنة في تلك المرتبة بالتعيّن [٢] اللائق بها، فلعلّ مكانه هو البعد الذي وقع فيه. و تسميته هذه المرتبة ب «البعد» من أحسن التعبيرات كما لا يخفى على الغائص في بحر الإلهيات، و لعلّه الى هذا المقام أو الى المقام العقلي الذي حقّقنا سابقا أشير في الخبر بقوله: «انّ اللّه كان إذ لا كان فخلق المكان» و ناهيك ذلك هاهنا، لأنّ في الزيادة إذاعة [٣] أسرار الحكماء و الأولياء. و في ما ذكرنا كفاية لمن تبصّر و نهاية لمن استبصر. و لم أجد أحدا وصل الى هذا المقام، أو تكلّم مثل هذا الكلام.
[١] . هو به: هويته م ك.
[٢] . بالتعيّن: بالتعيين م ج.
[٣] . إذاعة: إذاعته د.