بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩٩ - ما يستدل به على عدم الضمان في مفروض المسألة
فإن المراد بسيرة المتشرعة هو أن يختصوا بأمر من بين سائر الناس، حيث يكشف ذلك عادة عن كونه مستنداً إلى قول المعصوم ٧ أو فعله أو تقريره، وأما إذا كان ذلك الأمر ــ كعدم تضمين الأمين ــ أمراً عاماً قد جرت عليه سيرة الناس كلهم فلا موضوع للسيرة المتشرعية في مثل ذلك، وهذا واضح.
الوجه الثالث: عدد من الروايات وهي كثيرة، وربما يدعى استفاضتها بل تواترها، وفيما يأتي بعضها ..
الرواية الأولى: موثقة غياث بن إبراهيم [١] عن أبي عبد الله ٧ أن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أُتي بصاحب حمام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمّنه، وقال: ((إنما هو أمين)).
وهذه الرواية واضحة الدلالة على مسلّمية كبرى عدم ضمان الأمين، ولكن الظاهر أن موردها هو ما إذا كان وضع الثياب عند صاحب الحمام على سبيل الوديعة لا كونه أجيراً على حفظها [٢] ، وعلى ذلك فيحتمل أن يكون المراد بلفظ الأمين في كلام الإمام ٧ هو الأمين بالمعنى الأخص، أي الذي يُعهد إليه حفظ المال. والحكم بعدم ضمانه لا يقتضي الحكم بعدم الضمان في الأمين بالمعنى الأعم الذي هو من وضع يده على المال بإذن من المالك، فتأمل [٣] .
ثم هل أن المقصود بنفي الضمان عن الأمين هو عدم اشتغال ذمته بالبدل مع تلف المال بغير تعدٍّ أو تفريط أو أن المراد به هو عدم تضمينه إذا احتمل كون التلف على الوجه المذكور؟ فيه وجهان، ولا يخفى تمامية دلالة الرواية على ما
[١] الكافي ج:٥ ص:٢٤٢.
[٢] ويشهد لذلك موثقة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه ٨ أن علياً ٧ كان يقول: ((لا ضمان على صاحب الحمام في ما ذهب من الثياب، لأنه إنما أخذ الجعل على الحمام ولم يأخذ على الثياب)) (تهذيب الأحكام ج:٦ ص:٣١٤).
[٣] يمكن أن يقال: إن المتناسب مع بعض الروايات الآتية ــ كصحيحة الحلبي ــ كون المراد بالأمين في هذه الرواية هو الأمين بالمعنى الأعم، وأما ما يظهر من موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة في الهامش السابق من التفريق بين الأمين بالمعنيين فالظاهر أنه من جهة عدم قبول دعوى الأجير وأضرابه تلف المال بلا تعدٍّ ولا تفريط إلا ببينة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.