إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٦٤ - أقول القاضى نور الله
قدحه في الحسّيات، و هو أنّ جزم العقل بالحسّيات ليس بمجرّد الحسّ، بل لا بدّ مع الإحساس من امور تنضمّ إليه، فتلجئ تلك الأمور العقل إلى الجزم بما يجزم به من الحسّيات و لا يعلم ما تلك الأمور المنضمّة إلى الاحساس الموجبة للجزم، و متى حصلت لنا و كيف حصلت؟ فلا تكون الحسّيات بمجرّد تعلق الاحساس بها يقينيّة، و هذا حقّ لا شبهة فيه، و قد صرّح سيد المحققين [١] قدّس سرّه في شرحه: بأنّ الحسّيات و البديهيّات هما العمدة في العلوم، و هما يقومان حجّة على الغير، أمّا البديهيّات فعلى الإطلاق، و أمّا الحسيّات فإذا ثبت الاشتراك في أسبابها، أى فيما تقتضيها من تجربة أو تواتر أو حدس أو مشاهدة «انتهى»، و لا ريب في أنّ مسألة بقاء الأعراض ممّا شارك فيها جميع العقلاء من الحكماء و الإماميّة و المعتزلة و من تابعهم سوى الأشاعرة الذين هم بمعزل عن الشعور و العقل.
و أما ما ذكره من التّمثيل لغلط الحسّ في ماء الفوارة، فالغلط فيه ظاهر، لظهور سبب الغلط فيه، و عدم اشتراك جماعة من العقلاء في إثباته، بخلاف ما نحن فيه من الجسم و أعراضه، فانّ السّبب الذي ذكروه في غلط الحسّ عند توارد الأمثال كما في ماء الفوارة، هو أنّ الحسّ و إن تعلّق بكلّ واحد منها من حيث خصوصه، لكنّ الخيال لم يستثبت ما به يمتاز كلّ منها عن غيره، فيخيّل الرائي أنّ هناك أمرا واحدا مستمرا، ثم العقل الخالص عن مزاحمة الوهم و الخيال يجد في ماء الفوّارة اتّصال المدد [٢] و يحكم على غلط الحسّ بأدنى توجّه و التفات، و ليس فيما ذهب إليه النّظام و الأشاعرة من تقضّي الأجسام و الأعراض و تجدّدها وصول مدد و اتّصاله حتّى يتأتى للعقل تجويز الحكم بغلط الحسّ في الحكم بالبقاء، و كان النّظام و الأشاعرة وقعوا في ذلك ممّا قرّره الصّوفيّة
[١] هو المحقق الشريف الجرجاني في شرحه على المواقف.
[٢] المدد: بضم الميم جمع مدة، أو بفتح الميم كحجر.