إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٦٦ - قال الناصب خفضه الله
هذه الأفعال؟ مع أنّ الواحد منّا لو قيل له: إنك تحبس عبدك و تعذّبه على عدم خروجه في حوائجك، لقابل بالتكذيب و تبرّأ عن هذا الفعل، فكيف يجوز أن ينسب إلى ربّه ما يتنزه هو عنه؟ «انتهى».
قال النّاصب خفضه اللّه
أقول: مذهب الأشاعرة أن لا خالق غير اللّه تعالى، كما نصّ في كتابه العزيز:
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [١] و هو يعذب العبد على فعل العبد، لأنّ العبد هو المباشر و الكاسب [٢] لفعله و إن كان خلقه من اللّه تعالى، و الخلق غير الفعل و المباشرة، ثم إنّه لو عذّب عباده بأنواع العذاب من غير صدور الذنب عنهم، يجوز له ذلك، و ليس هذا من باب الظلم و الجور، لأنّ الظلم هو التصرف في حق الغير، و من تصرف في حقّه بأىّ وجه من وجوه التّصرف، لا يقال: إنّه ظلم [٣] فالعباد كلّهم ملك اللّه
[١] الزمر. الآية ٦٢
[٢] قد مر سابقا أن الالتزام بالكسب الذي اخترعته أرباب القول بالجبر مما لا يسمن و لا يغنى من جوع، و لا تدفع به التوالي الفاسدة المترتبة على ذلك المبنى.
[٣] تحقيق المقام يقتضى تحصيل المعرفة بالمراتب المتحققة بين الباري جلت عظمته و بين عباده، فنقول ان هناك اربع مراتب.
المرتبة الاولى مرتبة الملكية الحقيقية المطلقة التامة له تعالى على عباده. و العباد في هذه المرتبة بذواتها مملوكة له تعالى، و المملوكية له تعالى عين ذواتها و ليست ذواتها الا انها له، فان ذات الوجود الامكانى ليس الا التعلق بالواجب تعالى و انه له، لا ان له ذاتا ثبت له انه له تعالى و الا لزم استغنائه في ذاته عن الواجب تعالى، و لا دخل في ذاته امر غير كونه للّه تعالى و الا لزم استغنائه في بعض ذاته عنه. و مقتضى هذه المرتبة جواز تصرفه تعالى فيهم بما شاء من تعذيب و غيره فانه ليس بأعظم من اعدامه رأسا و ليس هو بعد الا قطع علقته تعالى عنه و لا يحكم شيء من العقول يكون قطع علقته عن غيره ظلما له و تعديا عليه.