إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٥٦ - أقول القاضى نور الله
الحقّ و الباطل، و كذلك اعترفوا في النّار بأنّهم لم يكونوا من أهل السّمع و العقل، و أنّهم لو رجعوا إلى أسماعهم و عقولهم، لعلموا حسن ما جاءت به الرّسل و قبح مخالفتهم، قال تعالى:وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [١]، و كم يقول لهم في كتابهأَ فَلا يَعْقِلُونَ،لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*، فينبّههم على ما في عقولهم من الحسن و القبح و يحتجّ عليهم بها، و يخبر أنّه أعطاهموها لينتفعوا بها و يميّزوا بها بين الحسن و القبيح، و كم في القرآن من مثل عقليّ و حسي ينبّه به العقول على حسن ما أمر به و قبح ما نهى عنه؟! فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى، و لكان إثبات ذلك بمجرّد الأمر و النّهى دون ضرب الأمثال، و تبيين جهة القبح المشهور بالحسّ و العقل، و القرآن مملوّ بهذا لمن تدبّره، كقوله:
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [٢]، يحتجّ سبحانه عليهم بما في عقولهم، من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له، فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكا له و لا يرضى بذلك، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي؟ و هذا يبيّن أنّ قبح عبادة غيره تعالى مستقرّ في العقول، و السّمع نبّه العقول و أرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك و كذلك قوله تعالى:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ [٣]وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [٤]،
[١] الملك. الآية ١٠.
[٢] الروم. الآية ٢٨.
[٣] متشاكسون: متضادون.
[٤] الزمر. الآية ٢٩.