إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٧٣ - قال الناصب خفضه الله
هذا الرّجل من أنّ المكلّف للزّمن الطيران إلى السّماء و أمثاله يعدّ في العقل سفيها، و قد مرّ فيما مضى إبطال الحسن و القبح العقليّين، و لا بدّ في هذا المقام من تحرير محل النّزاع فنقول: إن ما لا يطاق على مراتب، أحدها أن يمتنع الفعل لعلم اللّه [١] بعدم وقوعه، أو تعلّق إرادته أو إخباره بعدمه فإنّ مثله لا يتعلق به القدرة الحادثة مع الفعل [٢] لا قبله؛ و لا يتعلّق بالضّدين بل لكلّ واحد منهما قدرة على حدّه يتعلّق به حال وجوده عندنا، و مثل هذا الشّيء لمّا لم يتحقّق أصلا فلا تكون له قدرة حادثة تتعلّق به قطعا، و التّكليف بهذا جائز، بل واقع إجماعا، و إلّا لم يكن العاصي بكفره و فسقه مكلّفا بالايمان و ترك الكبائر، بل لا يكون تارك المأمور به عاصيا أصلا و ذلك معلوم بطلانه من الدّين ضرورة الثاني: أن يمتنع
[١] الحكم بامتناع فعل العبد و انسلاب الاختيار عنه في فعله لعلم اللّه تعالى بعدم وقوعه في غاية الجهل و الضلال. و من أجهل ممن حكم بانه إذا حصل لاحد العلم بان زيدا يزني غدا و اخبر به ان علمه بذلك و اخباره عنه يوجب سلب الاختيار عن زيد في فعل الزنا و كونه مجبورا في ذلك لا يقدر على تركه. و الوجه ان حقيقة العلم ليست الا محض الكشف و الحكاية، و من البديهي انه لا دخل للكاشف و الحاكي في تحقق المنكشف و المحكي و عدمه. و قد ذكر بعض الاجلة ان مدخلية الكاشف في تحقيق المنكشف يستلزم الدور لكون الكشف في مرتبة متأخرة عن المنكشف، فلو كان له دخل في تحقيق المنكشف لتوقف تحققه على تحقق الكشف و هذا دور صريح.
[٢] لا يخفى عليك ان في كون القدرة على الفعل مقارنة له او متقدمة عليه خلافا مشهورا بين الحكماء و المتكلمين، و ذهب اكثر الاشاعرة الى كونها مقارنة له و التحقيق كما عليه اكثر الامامية و المعتزلة و بعض الاشاعرة كونها سابقة بالذات حادثة التعلق بالخارج الذي هو متعلق القدرة.
ثم ليعلم ان في مبحث القدرة مسائل شتى قد أشرنا الى بعضها في التعاليق السابقة فليراجع.