إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٨٥ - أقول القاضى نور الله
أعرفيّة الرّؤية بالنّسبة إلى باقي الإحساسات يكاد أن يكون محسوسا، و لهذا تراهم يقدّمون في الكتب الكلاميّة و الحكميّة القوى المدركة الظاهرة على الباطنة لظهورها و قوّة الإبصار على غيرها من الظاهرة لأظهريّتها و أعرفيّتها كما نبّه عليه سيّد المحقّقين [١] في شرح المواقف، و غيره في غيره، و بما قررنا ظهر أنّه يمكن الجواب بإرادة الشّقّ الثّالث و هو أن يراد بالإدراك ما يشمل سائر الحواسّ الظاهرة، فإنّها أعرف الإدراكات الباطنة من إدراك نفس النّفس و آلاتها الباطنة كما عرفت، فظهر أنّ الشارح الجارح النّاصب لقصور فهمه و استعداده و بعده عن أهل التّحصيل، لم يحصّل معنى كلام القوم، و لا معنى كلام المصنّف الجليل، و أما سابعا فلأنّ قوله و كلّ هذه المحسوسات علوم حاصلة من الحسّ ممّا لا محصّل له أصلا، لأنّ المحسوسات معلومات لا علوم، و من قال: إنّ العلم و المعلوم متّحدان بالذّات؛ أراد أنّ العلم بمعنى الصّورة الحاصلة في العقل متّحد مع المعلوم الحاصل فيه، لا أنّ العلم بمعنى إدراك الحواسّ الظاهرة متّحد مع المحسوس الموجود في الخارج فإنّ هذا غلط و سفسطة كما لا يخفى، و أما ما ذكره من أنّ المصنف حسب أنّ مبدأ الفطرة هو حال الطفولية مدخول بأنّ ذلك ممّا لا يفهمه من كلام المصنّف إلا معاند حريص في الرّد عليه، فإنّ ظاهر معنى قوله و ذلك مشاهد في حال الأطفال، هو:
أنّ خلوّ النّفس في مبدإ الفطرة عن مجموع العلوم و كونها قابلة لها مشاهد معلوم في حال الطفوليّة التي هي قريبة من مبدإ الفطرة، فانّ النّفس خالية فيها أيضا عن جميع العلوم و قابلة لها، غاية الأمر أنّ الخلوّ في مبدإ الفطرة أكثر من الخلوّ في حال الطفوليّة، فقوله قدس سره: و ذلك مشاهد في حال الأطفال، تنبيه على دعوى خلوّ النفس الإنسانية في مبدإ الفطرة من مشاهدة خلوّها في حال الطفوليّة، لا تفسير لمبدإ الفطرة بحال الطفوليّة كما توهمه هذا الجارح، فلا يلزم من كلام المصنّف
[١] المراد هو السيد الشريف الجرجاني.