إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١١٠ - قال المصنف رفع الله درجته
أن يكون أهل بغداد على كثرتهم و صحّة حواسّهم، يجوز عليهم جيش عظيم و يقتلون و تضرب فيهم البوقات [١] الكثيرة و يرتفع الرّيح و تشتدّ الأصوات و لا يشاهد ذلك أحد منهم و لا يسمعه، و محال أن يرفع أهل الأرض بأجمعهم أبصارهم إلى السّماء و لا يشاهدونها، و محال أن يكون في السّماء ألف شمس، و كلّ واحدة منها ألف ضعف من هذه الشّمس و لا يشاهدونها، و محال أن يكون لإنسان واحد مشاهد أنّ عليه رأسا واحدا، ألف رأس لا يشاهدونها، و كلّ واحد منها مثل الرّأس الذي يشاهدونها، و محال أن يخبر واحد بأعلى صوته ألف مرّة بمحضر ألف نفس كلّ واحد منهم يسمع جميع ما يقوله: بأنّ زيدا ما قام و يكون قد أخبر بالنّفى، و لم يسمع الحاضرون حرف النّفى مع تكرّره ألف مرّة، و سماع كلّ واحد منهم جميع ما قاله، بل علمنا بهذه الأشياء أقوى بكثير من علمنا بأنّا حال [خ ل حين] خروجنا من منازلنا، لم تنقلب الأواني التي فيها، أناسا مدقّقين في علم المنطق و الهندسة، و أن ابني الذي شاهدته بالأمس، هو الذي شاهدته الآن، و أنّه لم يحدث حال تغميض العين ألف شمس، ثم انعدم عند فتحها، مع أنّ اللّه تعالى قادر على ذلك كلّه، و هو في نفسه ممكن، و أنّ المولود الرّضيع الذي يولد في الحال إنما يولد من الأبوين، و لم يمرّ عليه ألف سنة مع إمكانه في نفسه، و بالنّظر إلى قدرة اللّه تعالى، و قد نسبت السّوفسطائية إلى الغلط و كذبوا كلّ التكذيب في هذه القضايا الجائزة فكيف بالقضايا التي جوّزها الأشعرية التي تقتضي زوال الثّقة عن المشاهدات؟! و من أعجب الأشياء جواب رئيسهم و أفضل متأخريهم فخر الدين الرازي [٢] في هذا الموضع حيث قال: يجوز أن يخلق اللّه
[١] جمع البوق و هي آلة ينفخ فيها.
[٢] هو العلامة فخر الدين محمد بن عمر الرازي الشافعي المشتهر بالإمام المتوفى سنة ٦٠٦ صاحب التفسير الكبير المسمى بمفاتيح الغيب و عدة كتب، و ما نقله مولانا القاضي