إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١١٢ - قال الناصب خفضه الله
بصيرته، فنقول: ذهب السّوفسطائية إلى نفى حقائق الأشياء، فهم يقولون: إن حقيقة كلّ شيء ليست حقيقته، فالنّار ليست بالنّار، و الماء ليس بالماء، و يجوز أن يكون حقيقة الماء حقيقة النّار و حقيقة الماء حقيقة الهواء، و ليس لشيء حقيقة، فيلزمهم أن تكون النّار التي نشاهدها لا تكون نارا، بل ماء و هواء، أو غير ذلك، و هذا هو السفسطة، و ينجرّ هذا إلى ارتفاع الثّقة من المحسوسات و تبطل به الحكمة الباحثة عن معرفة الأشياء و أما حاصل كلام الأشاعرة في مبحث الرّؤية و غيرها ممّا ذكره هذا الرّجل، فهو أنّ الأشياء الموجودة عندهم إنّما تحصل و توجد بإرادة الفاعل المختار و قدرته التي هي العلّة التّامة لوجود الأشياء فإذا كانت القدرة هي العلّة التّامة فلا يكون وجود شيء واجبا عند حصول الأسباب الطبيعيّة، و لا يكون شيء مفقودا بحسب الوجود عند فقدان الأسباب و الشرائط، و لكن جرت عادة اللّه تعالى في الموجودات: أنّ الأشياء تحصل عند وجود شرائطها [١] و تنعدم عند انعدامها، فهذه العادة في الطبيعة جرت مجرى الوجوب، فالشّيء الذي له شرائط في الوجود يجب تحقّقه عند وجود تلك الشرائط و انتفائه عند انتفائها بحسب ما جرى من العادة، و إن كان ذلك الشيء بالنسبة إلى القدرة غير واجب، لا في صورة التحقّق لتحقّق الشرائط و لا في الانتفاء لانتفائها، بل جاز في العقل تحقّق الشّرائط و تخلف ذلك الشيء و كذا تحقّق ذلك الشيء مع انتفاء الشرائط إذ لم يلزم منه محال عقليّ، و ذلك بالنّسبة إلى قدرة المبدأ الذي هو الفاعل المختار مثلا الرّؤية التي نحن نباحث فيها لها شرائط وجب تحقّقها عند تحقّقها و امتنع وقوعها عند فقدان الشّرائط، كلّ ذلك بحسب ما جرى من عادة اللّه تعالى في خلق
[١] ليس المراد بالشرط هنا، هو المعنى الذي اصطلح عليه الفلاسفة، بل المراد ما يقال له الشرط في العرف بحسب ما يشاهد من المصاحبة الدائمة او الاكثرية بينه و بين ما يعتبر أنه المشروط كالنار للإحراق، و الاكل للشبع. من الفضل بن روزبهان.