إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٥٨ - أقول القاضى نور الله
ماله لوجه الله لا للجزاء من الخلق و لا شكورهم [١] بثبات من نفسه و قوة على الإنفاق، لا تخرج النفقة و قلبه يرجف على خروجها، و يرتعد و يضعف قلبه، و يجوز عند الإنفاق بخلاف نفقة من لم يكن صاحب التثبت و القوّة، و لمّا كان النّاس في الإنفاق على هذين القسمين، كان مثل نفقة صاحب الإخلاص و التثبيت كمثل الوابل، و مثل نفقة الآخر كمثل الطلّ، و هو المطر الضعيف، فهذا بحسب كثرة الإنفاق و قلّته و كمال الإخلاص و قوّة اليقين فيه و ضعفه، أفلا تراه سبحانه نبّه العقول على ما فيها من استحسان هذا و استقباح فعل الأول؟ و كذلك قوله تعالى:
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَ أَصابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [٢] فنبّه سبحانه العقول على قبح ما فيها من الأعمال السّيئة التي تحبط ثواب الحسنات و شبهها بحال شيخ كبير له ذرّية ضعفاء بحيث يخشى عليهم الضيعة و على نفسه و له بستان هو مادّة عيشه و عيش ذرّيته، فيه النخيل و الأعناب و من كل الثّمرات إذا أصابته نار شديدة فأحرقته، فنبه العقول على أنّ قبح المعاصي التي تحرق الطاعات بعدها كقبح هذه الحال، و لهذا فسّره ابن عباس [٣] برجل عمل بطاعة اللّه زمانا فبعث
[١] إشارة الى آية ٩ في سورة الدهر النازلة في حق أهل بيت الرسول صلوات اللّه عليهم أجمعين، الحاكية عن لسان حالهم.
[٢] البقرة. الآية ٢٦٦.
[٣] هو عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، من اعيان الإسلام أخذ علوم القرآن و تفسيره عن مولانا أمير المؤمنين سلام اللّه عليه، يعبر عنه حبر الامة، و قدوة المفسرين و ترجمان القرآن امه لبابة بنت الحارث بن حزن اخت ميمونة ام المؤمنين زوجة النبي صلى اللّه عليه و اله.
ولد بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين دعى له النبي صلى اللّه عليه و اله بالفقه و التأويل،