إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٤٨ - أقول القاضى نور الله
و قبح الكذب و نظائره، و أيضا لو كان ذلك كذلك لسقط ذمّ العقلاء عمّن فعل قبيحا إذا اعتذر بموافقته لغرضه. و بالجملة ما اشتهر من تفصيل معنى الحسن و القبح على الوجوه الثّلاثة و استثناء بعضها عن محلّ النزاع مما استحدثه متأخّر و الأشاعرة و جعلوه مهربا يلجئون إليه حين يضطرّهم حجّة أهل الحقّ إليه، فيقولون: إنّ مثل حسن الإحسان و قبح الظلم متحقّق بأحد المعاني المذكورة، لا بالمعنى المتنازع فيه، و لم يتفطنوا بما ذكرناه من الاستلزام، أو أغمضوا عنه ترويجا للمرام على القاصرين من الأنام هذا. و يدلّ على هذا الأصل من الأدلة التي لم يتعرّض لها المصنّف في هذا المقام، قوله تعالى:
وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ؛ الى قوله:قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [١]، فأخبر سبحانه أنّ فعلهم فاحشة قبل نهيه عنه و أمره باجتنابه، و الفاحشة هاهنا طوافهم بالبيت عراة الرّجال و النّساء إلّا بعض قريش [٢]، ثمّ قال اللّه تعالى:إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أى لا يأمر بما هو فاحشة في العقل و الفطرة، و لو كان إنّما علم كونه فاحشة بالنّهى، و أنه لا معنى لكونه فاحشة إلّا تعلّق النّهى به، لصار معنى الكلام: إنّ اللّه لا يأمر بما ينهى عنه، و هذا ممّا يصان عن التكلم به آحاد العقلاء فضلا عن كلام العزيز الحكيم، و أىّ فائدة في قوله: إنّ اللّه لا يأمر بما ينهى عنه، كما يقتضى تفسيره به عند الأشاعرة، فعلم
[١] الأعراف من آية ٢٨ الى آية ٣٤.
[٢] و هم بنو عبد مناف كما ذكره بعض المورخين، و قال بعض أهل السير: ان بنى مخزوم كانوا كنى عبد مناف في الاجتناب عن الشنائع المذكورة.