إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٢٤ - أقول القاضى نور الله
قائلون: بصدور القبائح عنه تعالى كما مرّ بيانه، و هذا عين الظلم، و إنما الحاكم بذلك حقيقة أهل العدل دونهم.
و أما قوله:لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، فهم يعنون به أنّ اللّه تعالى مالك الملك، و له التّصرف في ملكه بما يشاء فلا يسئل عنه فيما يفعل من الحسن و القبح، و فيه أنّ كونه تعالى مالك الملك إنّما يلزم منه أن يتصرّف في ملكه ابتداء بما شاء بأن يخلق العبد أصمّ أو أبكم أو أكمه أو يخلق من أصناف الجواهر و الأعراض، من الحيوانات و النّباتات و المعادن ما شاء، و أمّا إذا خلق العبد و كلّفه بفعل الحسن و ترك القبيح، و وعده بالثّواب على الأوّل و بالعقاب على الثاني، فامتثل العبد و بادر إلى الطاعة، لا يليق منه تعالى حينئذ التّصرف فيه بخلاف ما وعده بأن يدخل هذا العبد في النّار و يدخل [١] من عصاه في الجنّة، كما أنّه لا يليق منّا بعد غرس الأشجار في الأراضي المملوكة لنا و حصول الثّمار منها على الوجه الأتمّ أن نأخذ فاسا [٢] أو منشارا، و نقطع تلك الأشجار بلا عروض حكمة و مصلحة ظاهرة تترجّح على إبقاء تلك الأشجار، فانّ ذلك يعدّ ظلما و سفها و حماقة كما لا يخفى، و كما إذا ملك إنسان عبدا مسلما فقتله من غير أن يحدث حدثا، فانّ جميع العقلاء يعدّونه ظالما سفيها سفّاكا، و بهذا ظهر أنّ الظلم ليس بمنحصر في التّصرف في ملك الغير بغير إذنه هذا، و إنّما معنى قوله تعالى:لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ على ما ذهب إليه أهل العدل، أنّه لما ثبتت حكمته تعالى و عدله في محكمة [٣] العقل و النّقل، فلا وجه لأن يسئل عن فعله إذا خفى وجهه، كما لا يسأل المريض الطبيب الحاذق
[١] و ذلك لا ينافي عنوان التفضل منه تعالى على العاصي.
[٢] آلة معروفة لقطع الخشب و غيره، و قد تترك الهمزة فيقال فاس، و الكلمة من المؤنثات السماعية: جمعها أفؤس و فئوس.
[٣] هو من باب إضافة المكان الى المكين.