إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٤٣ - أقول القاضى نور الله
هو هذا القبيح، و كذا الحسن فليس الفعل عندهم منشأ حسن و لا قبح و لا مصلحة و لا مفسدة و لا نقص و لا كمال، و لا فرق بين السجود للشّيطان و السّجود للرّحمن في نفس الأمر، و لا بين الصّدق و الكذب، و لا بين النّكاح و السّفاح، إلّا أنّ الشّارع أوجب هذا و حرّم هذا، فمعنى حسنه كونه مأمورا به من الشّارع، لا أنّه منشأ مصلحة، و معنى قبح كونه منهيّا عنه منه، لا أنّه منشأ مفسدة، و هذا المذهب بعد تصوّره و تصوّر لوازمه يجزم العقل ببطلانه، و قد دلّ القرآن على فساده في غير موضع، و تشهد به الفطرة السّليمة و صريح العقل، فإنّ اللّه فطر عباده على استحسان الصّدق و العدل و العفّة و الإحسان و مقابلة النّعم بالشّكر، و فطرهم على استقباح أضدادها، و نسبة هذا إلى فطرتهم كنسبة الحلو و الحامض إلى أذواقهم، و كنسبة رائحة المسك و رائحة النّتن إلى مشامهم، و كنسبة الصّوت اللّذيذ و ضدّه إلى أسماعهم، و كذلك ما يدركونه بسائر مشاعرهم الظاهرة و الباطنة، فيفرّقون بين طيّبه و خبيثه و نافعه و ضارّه. و قد أجاب بعض [١] المتأخّرين من نفاة التّحسين و التّقبيح: بأنّ هذا متّفق عليه، و هو راجع إلى النّقص و الكمال أو الملائمة و المنافرة بحسب اقتضاء الطباع و قبولها للشّيء و انتفاعها به، و نفرتها من ضدّه، و إنّما النّزاع في كون الفعل متعلّقا للمدح و الذّم عاجلا و الثّواب و العقاب آجلا، و هذا هو الذي نفيناه و قلنا: إنه لا يعلم إلّا بالشّرع. و قال خصومنا: إنّه معلوم بالعقل، و العقل مقتض له، و أنت خبير بما قرّرته لك من كلامهم بأنّ هذا الجواب مع كونه فرارا واضحا لا ارتباط له بدفع الأصل الأوّل أصلا، لما مرّ من أنّ المتنازع فيه في هذا الأصل، هو أنّ ما حسّنه الشارع و أمر به كان سابقا حسنا، ثمّ أمر به أم لا،
[١] و لعل المراد به المولى جلال الدين الدواني أو الميرزا جان الباغنوى الشيرازي و قد مرت ترجمتهما.