إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٨٩ - أقول القاضى نور الله
وجوب تحقّق أثر كلّ من الحواسّ عند تحقّق شرائطه كما أوضحناه سابقا، و سيأتي من المصنّف في البحث الرّابع أيضا ما هو صريح في ذلك، حيث نسبهم إلى تجويز خلاف ما يحكم به حسّ البصر و السّمع و اللّمس، و ظاهر أن الاقتصار على هذه الثلاثة من باب الاكتفاء بالأهم، فظهر صدق قول المصنّف: إنّهم، أنكروا قضايا محسوسة مرادا به المحسوسة بالأعمّ من البصر و السّمع و اللّمس و الذّوق و الشمّ، مع أنّ وجه إنكارهم للمحسوس بواحد منها جار في الأعمّ فافهم، و اما عاشرا فلأنّ ما ذكره بقوله: ثمّ إنكار القضايا المحسوسة، أراد به أنّهم يمنعون الاعتماد على القضايا المحسوسة «إلخ» [١] فيه نظر من وجوه، الاول أنّا لا نسلّم أنّ
[١] و قال بعض فضلاء الحنابلة: ان الشبهة التي أوردوها في التشكيك في الحسيات و البديهيات و ان عجز كثير من الناس عن حلها، فهم يعلمون أنها قدح فيما علموه بالحس و الاضطرار، فمن قدر على حلها و الا فلم يتوقف جزمه بما علمه بحسه و اضطراره على حلها «انتهى».
و قال في موضع آخر: ان الأمور الحسية و العقلية اليقينية قد وقعت فيها شبهات كثيرة، تعارض ما علم بالحس و العقل، فلو توقف علمنا بذلك على الجواب عنها و حلها، لم يثبت لنا و لا لاحد علم شيء من الأشياء، و لا نهاية لما تقذف به النفوس من الشبه الخيالية و هي من جنس الوساوس و الخطرات و الخيالات التي لا تزال تحدث في النفوس شيئا فشيئا بل إذا جزمنا بثبوت الشيء جزمنا ببطلان ما يناقض ثبوته، و لم يكن ثبوت ما يقدر من الشبه الخيالية على نقيضه مانعا من جزمنا به، و لو كانت الشبه ما كانت فما من موجود وصل بدرك الحس الا و يمكن لكثير من الناس أن يقيم على عدمه شبها كثيرة يعجز السامع عن حلها، و قد رأينا و سمعنا ما أقامه كثير من المتكلمين من الشبه على أن الإنسان تتبدل نفسه الناطقة في الساعة الواحدة أكثر من ألف مرة، و كل لحظة تذهب روحه و تفارق و تحدث له روح أخرى غيرها هكذا ابدا، و ما أقاموه من الشبه على أن السماوات و الجبال و البحار تتبدل كل لحظة و يخلف غيرها، و ما أقاموه من الشبه