إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٨٤ - قال المصنف رفع الله درجته
فمن جهة أنّ ما هو قبيح منه يتركه و ما يجب عليه يفعله، فإنّ ذكره هذا في مقابلة قول الأشاعرة صريح في أنّ الأشاعرة قائلون: بأنّ اللّه تعالى لا يترك ما هو قبيح في الشّاهد، بل يفعل الكلّ، فإنّ هذا القدر يكفينا في أصل المقصود، و يبقى الكلام في أنّهم يدّعون أنّ ما هو قبيح في الشّاهد و بالنّسبة إليه ليس بقبيح بالنّسبة إلى اللّه تعالى، و هو تحكم كما عرفت غير مرّة. و أما قوله: و نحن قد أبطلنا حكم العقل، فقد عرفت بطلانه مع منافاته لما صرّح به سابقا في محاكمته المردودة بحكومة العقل في الجملة. و أمّا قوله: (خلق القبيح ليس فعله: إذ لا قبيح بالنّسبة إليه) فقد مرّ أنه مكابرة ظاهرة، و سيأتي الكلام فيه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
[ان الله لا يفعل القبيح و لا يترك الواجب و الا لزم محالات]
فلزمهم من ذلك محالات،
منها امتناع الجزم بصدق الأنبياء
قال المصنّف رفع اللّه درجته
لأنّ مسيلمة الكذّاب [١] لا فعل له، بل القبيح الذي صدر عنه من اللّه تعالى عندهم، فجاز أن يكون جميع الأنبياء كذلك، و إنّما يعلم صدقهم لو علمنا أنه تعالى لا يصدر عنه القبيح، فلا نعلم حينئذ نبوّة محمّد نبيّنا صلى اللّه عليه و اله و لا نبوّة موسى و عيسى و غيرهما من الأنبياء البتة، فأىّ عاقل يرضى أن يقلّد من لم يجزم بصدق نبي من الأنبياء البتّة؟ و أنه لا فرق عنده بين نبوّة محمّد صلى اللّه عليه و اله و بين نبوّة مسيلمة الكذّاب، فليحذر العاقل من اتّباع أهل الأهواء و الانقياد إلى طاعتهم ليبلغهم مرادهم و يربح [٢] هو
[١] هو مسيلمة المتنبي الذي خرج في نجد و ادعى النبوة و له أقاصيص مضحكة مع المرأة المدعية للنبوة مذكورة في كتب المجون و الحكايات الظريفة الطريفة.
[٢] اى فليحذر العاقل أن يصير سببا لنيل أهل الأهواء بمرادهم، و هو يصير خاسرا بالخلود في النيران.