إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٨٥ - قال المصنف رفع الله درجته
من قائل:وَ ما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَ تَصْدِيَةً [١] و أىّ تغفل أبلغ من تغفّل
من أهل ذلك القرن لما رأوا تفنن المتكلمين في العقائد، فاقتبسوا من فلسفة فيثاغورس و تابعيه في الإلهيات قواعد و انتزعوا من لاهوتيات أهل الكتاب و الوثنيين جملا و ألبسوها لباسا اسلاميا فجعلوها علما مخصوصا ميزوه باسم علم التصوف او الحقيقة او الباطن او الفقر او الفناء او الكشف و الشهود و الفوا و صنفوا في ذلك كتبا و رسائل، و كان الأمر كذلك الى ان حل القرن الخامس و ما يليه من القرون فقام بعض الدهاة في التصوف فرأوا مجالا و رحبا وسيعا لان يحوزوا بين الجهال مقاما شامخا كمقام النبوة بل الالوهية باسم الولاية و الغوثية و القطبية بدعوى التصرف في الملكوت بالقوة القدسية فكيف بالناسوت، فوسعوا فلسفة التصوف بمقالات مبنية على مزخرف التأويلات و الكشف الخيالى و الأحلام و الأوهام، فالفوا الكتب المتظافرة الكثيرة ككتاب التعرف، و الدلالة، و الفصوص، و شروحه، و النفحات، و الرشحات، و المكاشفات، و الإنسان الكامل، و العوارف، و المعارف، و التأويلات و نحوها من الزبر و الاسفار المحشوة بحكايات مكذوبة، و قضايا لا مفهوم لها البتة، حتى و لا في مخيلة قائليها كما ان قارئيها او سامعيها لا يتصورون لها معنى مطلقا و ان كان بعضهم يتظاهر بحالة الفهم و يقول بان للقوم اصطلاحات، لا تدرك الا بالذوق الذي لا يعرفه الا من شرب من شرابهم و سكر من دنهم و راحهم فلما راج متاعهم و ذاع ذكرهم وراق سوقهم تشعبوا فرقا و شعوبا و أغفلوا العوام و السفلة
بالحديث الموضوع المفترى (الطرق الى اللّه بعدد أنفاس الخلائق)
و جعل كل فرقة منهم لتمييزها عن غيرها علائم و مميزات بعد اشتراك الجميع في فتل الشوارب و أخذ الوجهة و التجمع في حلقات الاذكار عاملهم اللّه و جزاهم بما فعلوا في الإسلام.
و أعتذر من إخواني الناظرين عن إطالة الكلام حيث انها نفثة مصدور و تنفس صعداء و شقشقة هدرت و غصص و آلام و أحزان بدرت، عصمنا اللّه و إياكم من تسويلات نسجة العرفان و حيكة الفلسفة و التصوف و جعلنا و إياكم ممن أناخ المطية بأبواب أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و لم يعرف سواهم آمين آمين.
[١] الأنفال. الآية ٣٥.