إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٤١ - قال الناصب خفضه الله
الحسن و القبح بضرورة العقل، كعلمنا بحسن الصّدق النّافع و قبح الكذب الضّارّ، فانّ كلّ عاقل لا يشكّ في ذلك، و ليس جزمه بهذا الحكم بأدون من الجزم بافتقار الممكن إلى السّبب، و أنّ الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، و منها ما هو معلوم بالاكتساب أنّه حسن أو قبيح كحسن الصّدق الضّارّ و قبح الكذب النّافع، و منها ما يعجز العقل عن العقل بحسنه أو قبحه فيكشف الشّرع عنه كالعبادات [١]. و قالت الأشاعرة: إنّ الحسن و القبح شرعيّان، و لا يقضي العقل بحسن شيء و لا قبحه، بل القاضي بذلك هو الشّرع، فما حسّنه فهو حسن، و ما قبّحه فهو قبيح و هو باطل بوجوه «انتهى».
قال النّاصب خفضه اللّه
أقول: قد سبق أنّ الحسن و القبح يقال لمعان ثلاثة: الاول صفة الكمال و النّقص يقال: العلم حسن و الجهل قبيح، و لا نزاع في أنّ هذا أمر ثابت للصّفات في أنفسها، و أنّ مدركه العقل و لا تعلّق له بالشّرع. الثاني ملائمة الغرض و منافرته و قد يعبّر عنهما بهذا المعنى بالمصلحة و المفسدة، و ذلك أيضا عقليّ أي يدركه العقل كالمعنى الأوّل. الثالث تعلّق المدح و الثّواب بالفعل عاجلا و آجلا، و الذّم و العقاب كذلك، فما تعلّق به المدح في العاجل و الثّواب في الآجل يسمّى حسنا، و ما تعلّق به الذّم في العاجل و العقاب في الآجل يسمّى قبيحا، و هذا المعنى الثّالث محلّ النزاع، فهو عند الأشاعرة شرعيّ، و ذلك لأنّ أفعال العباد كلّها ليس شيء منها في نفسه بحيث يقتضي مدح فاعله و ثوابه، و لا ذمّ فاعله و عقابه، و إنّما صارت كذلك بواسطة أمر الشّارع بها و نهيه عنها، و عند المعتزلة
[١] و في بعض النسخ المخطوطة بعد قوله كالعبادات هذه الجملة (مثل صوم آخر رمضان و اول شوال فان الاول حسن و الثاني قبيح).