إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٤٥ - قال الناصب خفضه الله
قبيحا، بل مجانا لغير غرض لم يكن تفاوت بين سيّد المرسلين و بين إبليس في الثواب و العقاب، فانّه لا يثيب المطيع لطاعته، و لا يعاقب العاصي لعصيانه، فهذان الوصفان إذا تجرّدا عند الاعتبار في الاثابة و الانتقام لم يكن لأحدهما أولوية الثّواب و لا العقاب دون الآخر، فهل يجوز لعاقل يخاف اللّه تعالى و عقابه أن يعتقد في اللّه تعالى مثل هذه العقائد الفاسدة؟ مع أنّ الواحد منّا لو نسب غيره إلى أنّه يسيء إلى من أحسن إليه و يحسن إلى من أساء إليه قابله بالشتم و السّب، و لم يرض ذلك منه، فكيف يليق أن ينسب ربّه إلى شيء يكرهه أدون النّاس لنفسه؟!
قال النّاصب خفضه اللّه
أقول: هذا الوجه بطلانه أظهر من أن يحتاج إلى بيان، لأنّ أحدا لم يقل بأنّ الفاعل المختار الحكيم لم يلاحظ غايات الأشياء و الحكم و المصالح فيها، فانّهم يقولون في إثبات صفة العلم: إنّ أفعاله متقنة، و كلّ من كان أفعاله متقنة فلا بدّ أن يلاحظ الغاية و الحكمة، فملاحظة الغاية و الحكمة في الأفعال لا بدّ من إثباته بالنسبة إليه تعالى، و إذا كان كذلك، كيف يجوز التسوية بين العبد المطيع و العبد العاصي؟ و عندي أنّ الفريقين من الأشاعرة و المعتزلة و من تابعهم من الامامية لم يحرّروا هذا النزاع، و لم يبيّنوا محلّه، فانّ جلّ أدلة المعتزلة دلت على أنّهم فهموا من كلام الأشاعرة نفى الغاية و الحكمة و المصلحة، و أنّهم يقولون: إنّ أفعاله اتّفاقيات كأفعال من لم يلاحظ الغايات، و اعتراضاتهم واردة على هذا، فنقول:
الأفعال الصّادرة من الإنسان مثلا مبدؤها دواعي مختلفة، و لا بدّ لهذه الدواعي المختلفة من ترجيح بعضها على بعض، و المرجّح هو الإرادة الحادثة، فذلك الدّاعي الذي بعده الفاعل على الفعل مقدّم على وجود الفعل، و لولاه لم يكن للفاعل المختار أن يفعل ذلك الفعل، فهذا الفاعل بالاختيار يحتاج في صدور الفعل عنه إلى ذلك الباعث و هو العلّة الغائيّة و الغرض، هذا تعريف الغرض في اصطلاح القوم، فان عرض