إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٠٩ - قال المصنف رفع الله درجته
حجب جميع الجبال و الحيطان، و يسمع الأطروش [١] و هو في طرف المشرق، أخفى صوت يسمع، و هو في طرف المغرب، و كفى من اعتقد ذلك نقصا و مكابرة للضّرورة و دخولا في السفسطة. هذا اعتقادهم، و كيف يجوز لعاقل، أن يقلّد من كان هذا اعتقاده؟! و ما أعجب حالهم يمنعون من مشاهدة أعظم الأجسام قدرا و أشدّها لونا و إشراقا و أقربها إلينا مع ارتفاع الموانع و حصول الشّرائط و من سماع الأصوات الهائلة القريبة، و يجوّزون مشاهدة الأعمى لأصغر الأجسام و أخفاها في الظلم الشّديدة و بينهما غاية البعد، و كذا في السّماع، فهل بلغ أحد من السّوفسطائيّة في إنكارهم المحسوسات إلى هذه الغاية، و وصل إلى هذه النّهاية؟! مع أن جميع العقلاء حكموا عليهم بالسفسطة، حيث جوّزوا انقلاب الأواني التي في دار الإنسان حال خروجه أناسا فضلاء مدقّقين في العلوم حال الغيبة، و هؤلاء جوّزوا حصول مثل هذه الأشخاص في الحضور و لا يشاهدون، فهم أبلغ في السّفسطة من أولئك، فلينظر العاقل المنصف المقلّد، هل يجوز له أن يقلّد مثل هؤلاء القوم و يجعلهم واسطة بينه و بين اللّه تعالى و يكون معذورا برجوعه إليهم و قبوله منهم أم لا؟! فإن جوّز ذلك لنفسه بعد تعقّل ذلك و تحصيله، فقد خلص المقلّد من إثمه وباء [٢] هو بالإثم، نعوذ باللّه من مزال الأقدام و قال بعض الفضلاء و نعم ما قال: كلّ عاقل جرّب الأمور فإنّه لا يشكّ في إدراك السّليم حرارة النّار إذا بقي فيها مدّة مديدة حتّى تنفصل أعضائه، و محال
[١] الأطروش: الأصم، و قد يطلق على السميع، فاللفظ من الاضداد، و المراد هاهنا المعنى الاول.
[٢] و قال في النهاية: أبوء بنعمتك أى ألتزم و أرجع و أقر، و أصل البواء اللزوم، و منه الحديث فقد باء به أحدهما أى التزمه و رجع به، و العرب يقول: باء بذنبه إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه، و منه
قوله عليه السلام في الدعاء المروي: و أبوء إليك من ذنبي.