إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٦٩ - قال المصنف رفع الله درجته
لصفة الكمال و النقص، و المصلحة و المفسدة، لا لتعلّق الثّواب و العقاب كما مرّ و كيف يحكمون بالثّواب و العقاب و هم لا يعرفونهما؟ «انتهى».
أقول [القاضى نور اللّه]
جواب هذا أيضا مثل ما مرّ في الفصلين السّابقين، و الحاصل أنّ حكم البراهمة بمجرد حسن الأشياء و قبحها عقلا يثبت أحد جزئى المدّعى، و هو أنّ في الفعل قبل ورود الأمر و النّهى جهة محسنّة و صفة موجبة للحسن أو جهة مقبّحة، و أما الجزء الآخر و هو ترتب الثّواب و العقاب، فهم يعرفونه كما يعرفه أرباب الشّرائع، لأنّ البراهمة و إن أنكروا النّبوات و الشّرائع، فلم ينكروا الإلهيات حتىّ يلزم أن لا يعرفوا الثّواب و العقاب على الأعمال، غاية الأمر أنّهم قالوا: إنّ معرفة ذلك لا تتوقف على تعليم الأنبياء عليهم السّلام، بل العقل مستقلّ به كما نقله عنهم الشّهرستاني في كتاب الملل و النّحل عند نقل شبههم على نفى النّبوات، حيث قال: إنّهم قالوا: قد دل العقل بأنّ اللّه تعالى حكيم، و الحكيم لا يتعبّد الخلق إلّا بما تدلّ عليه عقولهم، و قد دلت الدلائل العقليّة أنّ للعالم صانعا عالما قادرا حكيما، و أنّ له على عباده نعما توجب الشّكر، فننظر في آيات خلقه بعقولنا، و نشكر بآلائه علينا، و إذ عرفناه و شكرنا له استوجبنا ثوابه، و إذا أنكرناه و كفرنا به استوجبنا عقابه، فما بالنا نتّبع بشرا مثلنا، [١] فانّه إن كان يأمرنا بما ذكرناه من المعرفة و الشّكر فقد استغنينا عنه بعقولنا، و إن كان يأمرنا بما يخالف ذلك كان قوله دليلا على كذبه «انتهى»، فظهر أنّ قول النّاصب: و هم لا يعرفونه إنّما نشأ من جهله و عدم معرفته بما ينبغي معرفته لمدّعي الفضل و العرفان و اللّه المستعان.
[الوجه الرابع]
قال المصنّف رفع اللّه درجته
الرابع الضّرورة قاضية بقبح العبث، كمن يستأجر أجيرا ليرمي من ماء الفرات
[١] و حكاه اللّه تعالى عن المشركين في آيات عديدة من القرآن كقوله تعالى:ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ، المؤمنون. الآية ٢٤.