إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٨٨ - أقول القاضى نور الله
هو بمعنى إيجاب اللّه تعالى على نفسه شيئا بمقتضى حكمته، كما دلّ عليه قوله تعالى وكَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [١]، و غير ذلك، لا بمعنى إيجاب غيره تعالى شيئا عليه كما توهّمه الأشاعرة، و الإيجاب بذلك المعنى ممّا يجب القول به لقيام الدّليل عليه كما عرفت و أما قوله إذ يفعل ما يشاء، فان أراد به الإشارة إلى قوله تعالى:
يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ يتوجه عليه أنّه لا يستلزم أن يشاء القبيح أيضا، و هو ظاهر فلا يدلّ على صدور القبيح منه تعالى، و إن ذكره كلاما من عند نفسه من غير الاشارة إلى الآية فلا التفات اليه أصلا و أما قوله: و الحال أنّهم لا بدّ أن يقولوا به، فانّ اللّه تعالى أخبر بعدم ايمان أبي لهب «إلخ» فمردود بأنّ لنا ألف مندوحة عن ذلك، فانّ شبهة إخبار اللّه تعالى بعدم إيمان أبي لهب شبهة سخيفة عتيقة رميمة، قد أجاب عنها المصنّف قدّس سرّه في كتابي تهذيب الأصول و نهاية الوصول بالمنع من الأخبار بعدم ايمان أبي لهب، و الوعد [ظ الوعيد] بأنّه سيصلى نارا لا يدلّ على الاخبار بعدم تصديقه للنّبي صلى اللّه عليه و اله، لإمكان تعذيب المسلم كالفاسق، و لو سلّم فلنا أن نقول إنّه سيصلى النّار على تقدير عدم ايمانه، و كذا قوله تعالى في قصّة نوح:أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ لكمِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [٢] أى بتقدير عدم هداية اللّه تعالى لهم إلى ذلك، سلّمنا لكن نمنع أنهم كلّفوا بتصديق النبي صلى اللّه عليه و اله فيما أخبر به من عدم تصديقهم بنبوّته لجواز وروده حال غفلتهم أو نومهم أو بعد التكليف، و لو سلّم أنّ تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبره به من الايمان لم يلزم منه أمره بتصديق هذا الخبر عينا، لأنّ الايمان إنّما يجب بما علم مجيئه به لا بما جاء به مطلقا، سواء علمه المكلف أو لم يعلمه، و لا نسلّم أنّ هذا الخبر ممّا علم أبو لهب مجيئه به حتّى يلزم تصديقه به، و تلخيصه
[١] الانعام. الآية ١٢.
[٢] هود. الآية ٣٦.