إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٥٠ - أقول القاضى نور الله
العقل بنهي الرّب تعالى عنها و ذمّه لها و إخباره ببغضها و بغض فاعلها، كما أنّ العدل و الصّدق و التّوحيد و مقابلة نعم المنعم بالثّناء و الشّكر حسن في نفسه، و ازداد حسنا إلى حسنه بأمر الرّب به و ثنائه على فاعله و إخباره بارادة ذلك و محبة فاعله، بل من أعلام نبّوة محمّد صلى اللّه عليه و اله أنه يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحلّ لهم الطيّبات و يحرّم عليهم الخبائث [١]، فلو كان كونه معروفا و منكرا و طيبا و خبيثا إنما هو لتعلّق الأمر و النّهى و الحلّ و التّحريم به، لكان بمنزلة أن يقال:
يأمرهم بما يأمرهم به و ينهاهم عمّا ينهاهم عنه، و يحلّ لهم ما يحلّه، و يحرّم عليهم ما يحرّمه، و أىّ فائدة في هذا؟ و أىّ علم يبقى فيه لنبوّته؟ و كلام اللّه تعالى يصان عن ذلك و أن يظنّ به مثله، و إنّما المدح و الثناء و العلم الدالّ على نبوّته أنّ ما يأمر به تشهد العقول الصّحيحة بحسنه و كونه معروفا، و ما ينهى عنه تشهد بقبحه و كونه منكرا، و ما يحلّه تشهد بكونه معروفا، و ما ينهى عنه تشهد بقبحه و كونه منكرا، و ما يحلّه تشهد بكونه طيبا، و ما يحرّم تشهد بكونه خبيثا، و هذه دعوة الرّسل، و هي بخلاف دعوة المبطلين و الكاذبين و السّحرة، فإنهم يدعون إلى ما يوافق أهواءهم و أغراضهم من كل قبيح و منكر و بغى و ظلم. و لهذا قيل لبعض الأعراب و قد أسلم، لما عرف دعوته صلى اللّه عليه و اله: عن أىّ شيء أسلمت و ما رأيت منه ممّا ذلك على أنّه رسول اللّه صلى اللّه عليه و اله؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه، و لا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به، و لا أحلّ شيئا فقال العقل ليته حرّمه، و لا حرّم شيئا فقال العقل: ليته أباحه، فانظر إلى هذا الأعرابي [٢] و صحّة عقله و فطرته و قوّة ايمانه و استدلاله على صحة دعوة النبي صلى اللّه عليه و اله بمطابقة أمره لكل ما هو حسن في العقل و مطابقة نهيه لما هو قبيح في العقل، و كذلك مطابقة تحليله
[١] اقتباس من قوله تعالى في سورة الأعراف. الآية ١٥٧
[٢] الأعرابي: من سكن البادية كان من العرب أو غيره، و قد مر الفرق سابقا بين الأعرابي و العربي فليراجع.