إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٤٩ - أقول القاضى نور الله
أنّ المراد أنه لا يأمر بما تستفحشه العقول كما يقتضيه رأى الاماميّة و من تابعهم، ثم قال تعالى:قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ، و القسط عند الأشاعرة يلزم أن يكون هو المأمور به لاما هو قسط في نفسه، فحقيقة الكلام قل أمر ربي بما أمر به، ثمّ قال:قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [١]، دلّ على أنّه طيّب قبل التّحريم، و أنّ وصف الطيّب فيه مانع من تحريمه، فتحريمه مناف للحكمة، ثمّ قال:إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ [٢] و لو كان كونها فواحش إنّما هو لتعلّق التّحريم بها، و ليست فواحش قبل ذلك، لكان حاصل الكلام قل: إنّما حرّم ربّي ما حرم، و كذلك تحريم البغي و الإثم، فكون ذلك فاحشة و إثما و بغيا بمنزلة كون الشّرك شركا، فهو مشرك في نفسه قبل النّهى و بعده فمن قال: إنّ الفاحشة و القبائح و الإثم إنّما صارت كذلك بعد النّهى، فهو بمنزلة قائل يقول: الشّرك إنّما صار شركا بعد النّهى، و ليس شركا قبل ذلك، و معلوم أنّ هذا مكابرة [٣] صريحة للعقل و الفطرة، فالظلم ظلم في نفسه قبل النّهى و بعده، و القبيح قبيح في نفسه قبل النّهى و بعده، و كذلك الفاحشة و الشّرك، لا أنّ هذه الحقائق صارت بالشّرع كذلك، نعم الشّارع كساها بنهيه عنها قبحا إلى قبحها، فكان قبحها من ذاتها [٤]، و ازدادت قبحا عند
[١] الأعراف. الآية ٣٢.
[٢] الأعراف. الآية ٣٣.
[٣] اصطلح أهل المناظرة في علم آداب البحث عن التعبير بالدعوى المجردة عن الدليل بالمكابرة ان اقترنت بتعنت و استكبار، و التحكم ان لم تقترن بذلك.
[٤] المراد بالذات ما أسلفناه سابقا في بيان ملاكات الاحكام لا الذات التي يراد بها نفس الفعل و الحركات و السكنات الخالية عن كل عنوان و وصف المعراة عن كل اعتبار.