إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٥٢ - أقول القاضى نور الله
يعني لا يحمل عليه من سيّئات ما لم يعمله و لا ينقص من حسنات ما عمل، و لو كان الظلم هو المستحيل الذي لا يمكن وجوده لم يكن لعدم الخوف منه معنى و لا للأمن من وقوعه فائدة، و قال تعالى:مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [١]، أى لا يحمّل المسيء عقاب ما لم يعمله و لا يمنع المحسن من ثواب عمله. و قال تعالى:وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ [٢]، فدلّ على أنه لو أهلكهم مع إصلاحهم لكان ظلما، و عندهم يجوز ذلك و ليس بظلم لو فعله، و يؤوّلون الآية على أنّه سبحانه أخبر أنّه لا يهلكهم مع إصلاحهم، و علم أنّه لا يفعل ذلك و خلاف خبره و معلومه مستحيل، و ذلك حقيقة الظلم، و معلوم أنّ الآية لم يقصد بها هذا قطعا، و لا أريد بها و لا يحتمله بوجه، إذ يؤول معناها إلى أنّه ما كان ليهلك القرى بسبب اجتماع النّقيضين و هم مصلحون، و كلامه تعالى: يتنزّه عن هذا و يتعالى عنه، و كذلك عند هؤلاء أيضا العبث و السّدى [٣] و الباطل كلّها هي المستحيلات الممتنعة التي لا تدخل تحت المقدور، و اللّه تعالى قد نزّه نفسه عنها، إذ نسبه إليها أعداؤه المكذّبين [٤] لوعده و وعيده المنكرين لأمره و نهيه، فأخبر أنّ ذلك يستلزم كون الخلق عبثا و باطلا، و حكمته و عزّته تأبى (تنافى خ ل) ذلك قال تعالى:
[١] فصلت. الآية ٤٦.
[٢] هود. الآية ١١٧.
[٣] السدى بضم السين المهملة. المهمل و الباطل و فيه إشارة الى قوله تعالى في سورة القيامة. الآية ٣٦.
[٤] و حق العبارة هكذا: (إذ نسبها اليه تعالى أعداءه المكذبون لوعده و وعيده المنكرون لأمره و نهيه).