إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٣٦ - أقول القاضى نور الله
و الوصول كما اعترفوا به لا يدلّ على أنّ الإدراك بالبصر هو الرّؤية على وجه الإحاطة بجوانب المرئي، و لأنّ أخذ ذلك من أدركت فلانا إذا لحقته، غير ظاهر، و لأنّا لا نسلّم صحّة قوله: رأيت القمر و ما أدركه بصري، فلا يثبت ما هو بصدده، على أنّه معارض بأنّهم يقولون: أدركت الشّمس و لا يريدون رؤيتها من جميع جوانبها، و أما رابعا فلأنّ ما ذكره من أنّ نفى الإحاطة مدح له تعالى غير مسلّم، لأنّ السّماء و غيرها من الأجسام العظيمة تشاركه في أنّه لا تحيط بها الأبصار «تأمّل» و ما قال الرّازي: من أنّه إنّما يحصل التّمدّح بنفي الرّؤية إذا كانت الرّؤية جائزة عليه، و كان تعالى قادرا على منع الإبصار عن ذلك، مدفوع بجريان ذلك في المدح بنفي السّنة و النّوم و الصّاحبة و الولد و جوابه جوابنا و أما قياسه لذلك على المدح بنفي الظلم و العبث فغير صحيح، لأنّ المدح هنا راجع إلى الفعل، و ما كان كذلك فلا يتمّ المدح فيه إلا مع القدرة عليه، و لهذا لا يصحّ المدح بنفي الجمع بين الضدّين و نحو ذلك، بخلاف ما كان راجعا إلى الذّات فإنّه غير مقدور و أما خامسا فلأنّه إنّ أراد بنفي كون الإدراك في لغة العرب بمعنى العلم أو الإحساس عدم كونهما داخلين تحت مفهوم الإدراك، فتوجّه المنع عليه ظاهر، و إن أراد عدم تفسيرهم إيّاه بذلك و إن كان ذلك التّفسير صادقا عليهما فلا يفيد، فانّ أرباب اللّغة [١] يضعون بعض الألفاظ لمفهومات كلّية صادقة على أفرادها من غير تعقلهم لتفاصيل الأفراد عند الوضع، بل يكفي عندهم في كون تلك الأفراد أفرادا لبعض المفهومات كونها بحيث يصحّ أن يحكم عليها بذلك، و هذا حاصل فيما نحن فيه، و ارتكاب التجوّز في وصول العلم إلى المعلوم و الإحساس إلى المحسوس، و الرّؤية إلى المرئي مطلقا [٢] مشترك، و أما سادسا فلأنّ ما ذكره: من جواب الأشاعرة
[١] المراد بأرباب اللغة وضعة الألفاظ و أهل اللسان لا علماء اللغة بحسب الاصطلاح.
[٢] اى على سبيل الإحاطة و عدمها. منه «قده».