إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٠ - مقدمة الكتاب
ثم لما قصروا على أنفسهم المسافة، مدّة امتداد مسّ الآفة، [١] و غصب الخلافة بإناطة صحّتها فيها على مجرّد اختيار الامّة، و نفوا اشتراط النصّ و العصمة في الأئمة، ليتّسع لكلّ جلف جافّ بيّن الكثافة، [٢] تصدّى الخلافة بلا توجّه ملامة، و توقّع مخافة، عن الكافّة، و جعلوا ذلك من الأصول المطاعة، و أهمّ مقالات المتّسمين بأهل السنّة و الجماعة، لا جرم كلّ من جاء بعدهم متقمّصا للسّلطنة [٣] و الإيالة مع خلّوه عن العصمة و العدالة، بادر إلى تعظيم علماء المتّسمين بأهل السنّة و استمالتهم، و مال إلى تكريم شأنهم و ترويج مقالتهم، و أبغض علماء الشيعة الحاكمين بجلافتهم القائلين: بعدم صّحة خلافتهم، فقد كان لهذه الفرقة النّاجية [٤]، خصماء عظماء جهلاء سفهاء، و أعداء أشدّاء و أغوياء و
و بهذا المضمون عدة روايات بأسانيد مختلفة، منها روايتا عبد اللّه بن عمر، و أبي هريرة و غيرهما عن النبي صلى اللّه عليه و اله، أورد بعضها الحاكم في المستدرك و غيره في غيره فليراجع.
[١] لا يخفى لطف تقابل لفظي المسافة و مس الافة.
[٢] قال الجزري في النهاية: في الحديث فجائه رجل جلف جاف. الجلف: الأحمق، و أصله من الجلف، و هي الشاة المسلوخة التي قطع رأسها و قوائمها، و يقال للدن ايضا.
جلف، شبه الأحمق بهما لضعف عقله. و قال: في الحديث، من بدا جفا بالدال المهملة، أى من سكن بالبادية غلظ طبعه لقلة مخالطة الناس، و الجفاء غلظ الطبع منه «قده»
[٣] لا يخفى ما في العدول عن لفظي الخلافة و الوصاية الى السلطنة و الايالة من الإيماء الى كونهم متقمصين من غير أهلية لذلك، و أن سلطتهم على المسلمين ليست من باب الخلافة.
[٤] التعبير بهذه الكلمة وقع اقتباسا و اتباعا من
قوله صلى اللّه عليه و اله: ستفترق أمتى على اثنين و سبعين كلها هالكة، و واحدة منها ناجية،
و قد ذكر علامة الجمهور في عصره السيد ابراهيم الراوي البغدادي من مشايخنا في رواية صحاحهم ذات يوم في مجلس درسه للبخاري: أن حديث افتراق الامة على العدد المذكور مما رواه اعلام القوم