إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٠٢ - قال المصنف رفع الله درجته
الملاذ المزجور عنها بالشّرع نسب إلى العقل و الأخذ بالحزم، لأنّ الأفعال القبيحة إذا كانت مستندة إليه جاز أن يعاقب المطيع لطاعته و لا تفيده طاعته إلّا الخسران و التّعب حيث جاز أن يعاقبه على امتثال أمره، و يحصل في الآخرة بالعذاب الأليم السّرمد [١] و العقاب المؤبّد، و جاز أن يثيب العاصي فيحصل بالرّبح في الدّارين و يتخلّص من المشقة في المنزلين، و منها أنه تعالى كلّف المحال لأنّ الآثار كلّها مستندة إليه تعالى، و لا تأثير لقدرة العبد البتّة فجميع الأفعال غير مقدورة للعبد و قد كلّف ببعضها فيكون قد كلّف ما لا يطاق، و جوّزوا بهذا الإعتبار و باعتبار وقوع القبيح منه تعالى أن يكلّف اللّه تعالى العبد أن يخلق مثله تعالى و مثل نفسه، و أن يعيد الموتى في الدّنيا كآدم و نوح و غيرهما، و أن يبلع جبل أبي قبيس دفعة، و يشرب ماء دجلة في جرعة، و أنه متى لم يفعل ذلك عذّبه بأنواع العذاب، فلينظر العاقل في نفسه هل يجوز له أن ينسب ربّه تبارك و تعالى و تقدّس إلى مثل هذه التّكاليف الممتنعة؟ و هل ينسب ظالم منّا إلى مثل هذا الظلم؟! تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
و منها أنّه يلزم منه عدم العلم بنبوّة أحد من الأنبياء عليهم السّلام، لأنّ دليل النّبوة هو أنّ اللّه فعل المعجزة عقيب الدّعوى لأجل التّصديق [٢]، و كلّ من صدّقه اللّه تعالى فهو صادق، فإذا صدر القبيح منه لم يتمّ الدّليل، أما الصّغرى فجاز أن يخلق المعجزة للإغواء و الإضلال، و أمّا الكبرى فلجواز أن يصدّق المبطل في دعواه. و منها أنّ القبائح لو صدرت عنه لوجب الاستعاذة منه لأنه حينئذ أضرّ على البشر من إبليس لعنه اللّه، و كان واجبا على قولهم أن يقول المتعوّذ: أعوذ بالشّيطان الرّجيم من اللّه تعالى، و هل يرضى عاقل لنفسه المصير
[١] قد مر المراد بالسرمد.
[٢] و المراد من التصديق اسناد الصدق اليه فان هيئة التفعيل قد يراد منه النسبة كالتفسيق و التكفير.