إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٥٣ - أقول القاضى نور الله
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [١]، أى بغير شيء لا تؤمرون و لا تنهون و لا تثابون و لا تعاقبون، و العبث قبيح، فدلّ على أنّ قبح هذا مستقرّ في الفطر [٢] و العقول، و لذلك أنكر عليهم إنكار منبّه لهم على الرّجوع إلى عقولهم، و أنّهم لو فكروا و أبصروا لعلموا أنه لا يليق به و لا يحسن منه أن يخلق خلقه عبثا، لا لأمر و لا لنهى و لا لثواب و لا لعقاب، و هذا يدلّ على أنّ حسن الأمر و النّهى و الجزاء مستقرّ في العقول و الفطر، و أنّ من جوّز على اللّه الإضلال به فقد نسبه إلى ما لا يليق به و تأباه أسماؤه الحسنى [٣] و صفاته العليا، و كذلك قوله تعالى:أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [٤] أى لا يؤمر و لا ينهى أو لا يثاب و لا يعاقب و هما متلازمان، فأنكر على من يحسب ذلك، فدلّ على أنّه قبيح لا يليق به، و لهذا استدلّ على أنّه لا يترك سدى بقوله:أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى [٥] الى آخر السّورة، و لو كان قبحه إنّما علم بالسمع لكان يستدلّ عليه: بأنّه خلاف السمع و خلاف ما أعلمناه و أخبرنا به، و لم يكن إنكار تركه قبيحا في نفسه، بل لكونه خلاف ما أخبر به، و معلوم أنّ هذا ليس وجه الكلام، و كذلك قوله تعالى:
وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [٦] و الباطل الذي ظنّوه ليس هو الجمع بين النّقيضين، بل الذي ظنوه أنّه لا شرع و لا جزاء و لا أمر و لا نهى و لا ثواب و لا عقاب، فأخبر أنّ خلقها لغير ذلك هو الباطل
[١] المؤمنون. الآية ١١٥.
[٢] الفطر كعنب جمع الفطرة.
[٣] اقتباس من قوله تعالى في سورة الاسراء. الآية ١١٠.
[٤] القيامة. الآية ٣٦.
[٥] القيامة. الآية ٣٧.
[٦] ص. الآية ٢٧.