إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢١١ - أقول القاضى نور الله
الأزليّ، و أيضا نحن لا نشترط في صدق المتكلّم أن يكون ذلك الشيء موجدا للكلام، بل نقول: لا بدّ أن يكون بين الكلام و ذلك الشيء ملابسة كما في الحدّاد و الصّباغ و التمّار و غيرها، و هي محقّقة هاهنا. إذ الكلام مخلوق [١] له تعالى،
[١] مسألة مخلوقية كلامه تعالى، و ان القرآن قديم، أو حادث، مما وقع النزاع فيها من سالف الزمان، بحيث قتل جمع من القائلين بقدمه، و كذا من القائلين بحدوثه و كان المأمون العباسي، من أشد العاضدين للحدوث. و القادر و المتوكل العباسيان قتلوا جماعة من القائلين بالحدوث و اكثر الاشاعرة، كالشيخ أبى الحسن شيخهم في كتاب الابانة و القاضي محمد بن الطيب الباقلاني و ابن فورك و الباهلي و امام الحرمين ذهبوا الى قدمه و استدلوا على ذلك بوجوه من السمع و العقل كلها مجاب عنها باجوبة شافية، و المعتزلة و غيرهم ذهبوا الى حدوثه، و لهم أدلة من النقل و العقل، و الرازي في كتاب الأربعين ص ١٧٩ و ص ١٨٠ جمع بين كلمات الفريقين، و جعل هذا النزاع الطويل الذيل قريبا من النزاع اللفظي، و قال ان كلامه تعالى، بمعنى الأصوات و الحروف، لا كلام في كونها حادثة، و اما كلامه الذي هو مدلول تلك الدوال فهو قديم واحد بالذات، مختلف بالاعتبار، من حيث اتصافه بالامرية و النهيية و الخبرية و غيرها الى آخر ما قال و أنت خبير بان النزاع بين الاشاعرة، و بين مخالفيهم في ثبوت ذاك الأمر الواحد القديم بجعله مغايرا للارادة و الكراهة و العلم فالاشعرى يدعى التغاير، و خصمائه ينكرون ذلك، فعليه لا يكون النزاع لفظيا أو لغويا كما احتمله في طي كلماته.
ثم ان من الاشاعرة من صرح، بكون الأصوات و الحروف كمدا ليلها قديمة أيضا، كما ان الكرامية، ذهبوا الى انه خلق تلك الأصوات و الحروف في ذاته القديم و جعلوا ذاته تعالى شأنه محلا لتلك الحوادث.
و بالجملة لو تأملت في هذه الأقوال و الكلمات التي هي بين افراط و تفريط لرأيت بعين العيان ان النزاع ليس بلفظي كما توهمه و ان هناك ابحاثا، و مضامير فللنزاع في اثبات امر قديم قائم بذاته واحد بالذات مدلول للكلام اللفظي، مضمار