إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٠٤ - أقول القاضى نور الله
و القبائح التي لا يفعلها اللّه تعالى ما يكون مفاسده في نظام الوجود أكثر من مصالحه عند العقل، و ما هو محلّ النزاع من القبائح و المفاسد الصادرة من العباد كالزّنا و اللّواطة و السّرقة و نحوها مما لا يجد العقل السّليم فيها فائدة و نفعا أصلا في حفظ النّظام، و لو كانت فيها مصلحة فهي أقلّ من مفاسدها، بخلاف ما قد يستقبحه العقل في بادي النّظر من أفعاله تعالى، فانّه إذا تأمّل فيها العاقل ربّما يطلع على ما فيها من حكم و مصالح لا تحصى، فيعود الاستقباح في نظره استحسانا كما في قصّة موسى مع الخضر عليهما السّلام من خرق السّفينة و قتل الغلام، و كما في تعذيب الإنسان ولده أو عبده للتّأديب و الزّجر عن المنكرات، و إليه أشار تعالى بقوله:إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [١]، و به يتبيّن حسن خلق الحشرات و السّباع الموذيات و إبليس و ذريّته و تبعته (خ ل تبقيته ظ) و إماتة الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام، و أما ما ذكره بعض متصوّفة أهل السّنة موافقا لبعض المتفلسفة:
من أنّ الشّهوة مثلا من حيث إنها ظلّ المحبّة الذّاتية السّارية في الوجود محمودة و عدمها و هو العنة مذمومة من حيث إنّها ليست سبب بقاء النّوع، و من حيث إنها موجبة للذّة التي هي نوع من التّجليات الجماليّة أيضا محمودة، و عند وقوعها على غير موجب الشّرع مذمومة، لكونها سببا لانقطاع النّسل و موجبا للفتن العائدة إلى العدم، و هكذا جميع صور المرام، فالكل منه و إليه من حيث الكمال «انتهى». فلا يخفى ما فيه من ترويج سوق الزّنا و مخالفته لبديهة العقل و لما عليه الشّرع و ذووه [٢]. و اعلم أيدك الله أنّ جناية المجبّرة على الإسلام كثيرة، و بليّتها على الامّة عظيمة بحملهم المعاصي على اللّه تعالى، و قولهم:
[١] البقرة. الآية ٢٢.
[٢] قد وردت إضافة جمع ذى مع كونه من أسماء الستة الى الضمير في النظم و النثر و منه قول الشاعر: انما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه.