إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٨٤ - قال المصنف رفع الله درجته
بنيانه، و ظهر لي بعد الفحص الأكيد و التجول في مضامير كلماتهم و الوقوف على ما في خبايا مطالبهم و العثور على مخبياتهم بعد الاجتماع برؤساء فرقهم ان الداء سرى الى الدين من رهبة النصارى فتلقاه جمع من العامة كالحسن البصري و الشبلي و معروف و طاوس و الزهري و جنيد و نحوهم ثم سرى منهم الى الشيعة حتى رقى شأنهم و علت راياتهم بحيث ما ابقوا حجرا على حجر من أساس الدين، أولوا نصوص الكتاب و السنة و خالفوا الاحكام الفطرية العقلية، و التزموا بوحدة الوجود بل الموجود، و أخذ الوجهة في العبادة و المداومة على الأوراد المشحونة بالكفر و الأباطيل التي لفقتها رؤسائهم! و التزامهم بما يسمونه بالذكر الخفي القلبي شارعا من يمين القلب خاتما بيساره معبرا عنه بالسفر من الحق الى الخلق تارة، و التنزل من القوس الصعودي الى النزولى أخرى و بالعكس معبرا عنه بالسفر من الخلق الى الحق و العروج من القوس النزولى الى الصعودي أخرى فيا لله من هذه الطامات، فأسروا ترهاتهم الى الفقه ايضا في مبحث النية و غيره و رأيت بعض مرشديهم يتلو اشعار المغربي العارف من ديوانه و يبكى و يعتنى به كالاعتناء بآيات الكتاب الكريم فتعسا لقوم تركوا القرآن الشريف و أدعية الصحيفة الكاملة زبور آل محمد «ص» و كلمات موالينا و ساداتنا الأئمة عليهم السلام، و اشتغلوا بأمثال ما أومأنا إليها، و رأيت بعض من كان يدعى الفضل منهم يجعل بضاعة ترويج مسلكه أمثال ما يعزى إليهم عليهم السلام (
لنا مع اللّه حالات فيها هو نحن و نحن هو
) و ما درى المسكين في العلم و التتبع و التثبت و الضبط أن كتاب مصباح الشريعة و ما يشبهه من الكتب المودعة فيها أمثال هذه المناكير مما لفقتها أيادى المتصوفة في الاعصار السالفة و أبقتها لنا تراثا.
و خلاصة الكلام أنه آل أمر الصوفية الى حد صرفوا المحصلين عن العلم بقولهم: ان العلم حجاب و أن بنظرة من القطب الكامل يصير الشقي سعيدا بل وليا و بنفحة في وجه المسترشد و المريد او تفلة في فمه تطيعه الأفاعي و العقارب الضارية و تنحل تحت أمره قوانين الطبيعة و نواميس نشأة الكون و الفساد، و أن الولاية مقام لا ينافيها ارتكاب الكبائر بل الكفر و الزندقة معللين بانه لا محرم و لا واجب بعد الوصول و الشهود، ثم ان شيوع التصوف و بناء الخانقاهات كان في القرن الرابع حيث ان بعض المرشدين