إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٨٧ - أقول القاضى نور الله
على ترك ما لم يعطهم القدرة على فعله، و جوّزوا أن يكلّف اللّه تعالى مقطوع اليد الكتابة، و من لا مال له الزّكاة، و من لا يقدر على المشي للزّمانة، [١] الطيران إلى السّماء، و أن يخلق العاطل الزّمن المفلوج الأجسام، و أن يجعل القديم محدثا، و المحدث قديما و جوّزوا أن يرسل رسولا إلى عباده بالمعجزات ليأمرهم بأن يجعلوا الجسم الأسود أبيض دفعة واحدة، و يأمرهم بالكتابة الحسنة، و لا يخلق لهم الأيدي و الآلات، و أن يكتبوا في الهوا بغير دوات و لا مداد و لا قلم و لا يد ما يقرؤه كلّ أحد، و قالت الإمامية: ربنا أعدل و أحكم من ذلك.
قال النّاصب خفضه اللّه
أقول: تكليف ما لا يطاق جائز عند الأشاعرة، لأنّه لا يجب على اللّه شيء و لا يقبح منه فعل، إذ يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و منعه المعتزلة لقبحه عقلا و الحال أنهم لا بدّ أن يقولوا به، فانّ اللّه تعالى أخبر بعدم ايمان أبي لهب و كلّفه الايمان، فهذا تكليف ما لا يطاق، لأنّ ايمانه محال و فوق طاقته، لأنّه إن آمن لزم الكذب في خبر اللّه تعالى و هو محال اتّفاقا، و هذا شيء يلزم المعتزلة القول بتكليف ما لا يطاق، ثمّ إنّ ما لا يطاق على مراتب أوسطها ما لا يتعلّق به القدرة الحادثة عادة سواء امتنع تعلّقها به لا لنفس مفهومه لخلق الأجسام، أم لا، بأن يكون من جنس ما يتعلق به كحمل الجبل و الطيران إلى السماء، و الأمثلة التي ذكرها الرّجل الطاماتي، فهذا يجوّزه الأشاعرة و إن لم يقع بالاستقراء، و لقوله تعالى:لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [٢]، و قد عرفناك معنى هذا التّجويز فيما سبق «انتهى»
أقول: [القاضى نور اللّه]
قد مرّ أن الوجوب الذي ذهب إليه الإماميّة و المعتزلة إنّما
[١] الزمانة بفتح الزاء المعجمة: العاهة، عدم بعض الأعضاء، تعطيل القوى، و لعل الكلمة معربة أو دخيلة.
[٢] البقرة. الآية ٢٨٦.