شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٨٠ - الحديث الخامس ان رجلا أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له
أو الى الذي حدّدنا له و أمرنا إليه بالمصير إليه، لأنّ «الميقات» كما يقع على الزمان كذلك يقع على المكان، و كَلَّمَهُ رَبُّهُ من غير واسطة كما يكلّم الملائكة، قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ: أرني نفسك و اجعلني متمكّنا من رؤيتك بأن تتجلّى، فأنظر أليك و أراك، قالَ لَنْ تَرانِي أي لن تطيق رؤيتي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ لمّا تجلّيت عليه فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: أظهر له عظمته و تصدّى له اقتداره و أمره، جَعَلَهُ دَكًّا مدكوكا مفتّنا، وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً: مغشيّا عليه من هول ما رأى، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ تعظيما لما رأى:
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من الجرأة و الإقدام على مثل هذا السؤال وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنّك لا ترى.
و بالجملة ما ذكره الإمام عليه السلام في هذا الخبر من امتناع الرؤية في الدنيا و إمكانها في الآخرة انّما يناسب التفسير الذي نقله صاحب الجوامع [١] رضي اللّه عنه و هذه عبارته: «و قيل في الآية وجه آخر: و هو أن يكون المراد بقوله: رَبِّ أَرِنِي: عرّفني نفسك تعريفا واضحا جليا بإظهار بعض آيات الآخرة التي تضطرّ الخلق الى معرفتك، أَنْظُرْ إِلَيْكَ: أعرفك معرفة ضرورية كأنّي أنظر أليك، كما جاء في الحديث: «سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر» بمعنى ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء مثل رؤيتكم القمر إذا امتلأ و استوى بدرا، قالَ لَنْ تَرانِي:
لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة و لن تحتمل [٢] قوّتك تلك الرؤية، وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فإنّي أظهر عليه آية من تلك الآيات، فَإِنِ ثبت لتجلّيها و اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تثبت بها و تطيقها، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ: فلمّا ظهر للجبل آية من آيات ربّه جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً لعظم ما رأى، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ممّا اقترحت، وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بعظمتك و جلالك»- انتهى.
و في العيون [٣] عن مولانا الرضا عليه السلام أنّه سئل: «كيف يجوز أن يكون
[١] . و هو الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان في تفسيره جوامع الجامع، ج ١، ص ٤٦٩.
[٢] . تحتمل: تتحمل د.
[٣] . عيون أخبار الرضا، ج ٢، ص ١٧٨.