شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٣١ - الحديث الثالث قال أمير المؤمنين عليه السلام اعرفوا الله بالله
فقد سمعت بعض أهل الكلام يقول: لو أنّ رجلا في فلاة من الأرض لم ير أحدا يهديه و يرشده حتى كبر و عقل و نظر الى السماء و الأرض لدلّه ذلك على أنّ لهما صانعا و محدثا، فقلت: انّ هذا شيء لم يكن و هو إخبار بما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون، و لو كان ذلك لكان لا يكون ذلك الرجل الّا حجّة اللّه تعالى ذكره على نفسه، كما في الأنبياء عليهم السلام: منهم من بعث الى نفسه، و منهم من بعث الى أهله و ولده، و منهم من بعث الى أهل محلّته، و منهم من بعث الى أهل بلده، و منهم من بعث الى الناس كافة.
و أمّا استدلال إبراهيم الخليل عليه السّلام بنظره الى الزهرة ثم الى قمر ثم الى الشمس و قوله: فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [١] فانّه عليه السّلام كان نبيا ملهما مبعوثا مرسلا و كان جميع قوله الى آخره بإلهام اللّه تعالى: وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [٢] و ليس كل أحد كإبراهيم عليه السّلام، و إبراهيم لو استغنى في معرفة التوحيد بالنظر عن تعليم اللّه عزّ و جلّ و تعريفه لما أنزل اللّه عزّ و جلّ ما أنزل من قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [٣] و من قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الى آخرها، و من قوله: بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ الى قوله: وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [٤] و آخر الحشر [٥] و غيرها من آيات التوحيد.
أقول: يمكن التوفيق بين الكلامين بأنّ المعرفة الإجمالية لمّا كانت فطرية يكفي
[١] . الأنعام: ٧٨.
[٢] . الأنعام: ٨٣.
[٣] . محمّد: ١٩.
[٤] . الأنعام: ١٠٣.
[٥] . آيات ٢٢- ٢٤.