شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٧٤ - الحديث الأول جاءت زينب العطارة الحولاء إلى نساء رسول الله(ص)
و من جملة البيانات المناسبة لشرح الخبر أن يكون «من» الأولى صلة للتنزيل، و «من» الثانية للابتداء، لتقدّم الحجب على السماء كما في هذا الخبر، و «من» الثالثة لبيان المنزل و الضمائر الثلاثة البارزة في «به» و «يصرفه» و «برقه» يعود الى «البرد»، فيكون السماء عبارة عن العلو سواء كان بالرتبة أو المرتبة. و «الجبال» هي الطبيعة الجسمية التي يقال لها «العناية الإلهية» المدبّرة للسماويات، و باعتبار تخصّصها في الأجسام العظيمة عبّرت عنها ب «الجبال» أو هي عبارة عن النفوس و الأرواح الموكّلة على السماوات، و باعتبار عظمة خلقها و قوة سلطانها و بسطة مملكتها عبّرت عنها ب «الجبال» و يكون «البرد» عبارة عن الفيوضات و الرحمات التي للمواد المستعدة كالمطر المحيي لأرض القابليات و كالبرد من حيث يتبرّد و يحظو قلوب المشتاقين إليها و المتعطشين لورودها، كما يشتاق العطشان الى الماء البارد بالثلج أو [١] الجمد، فيوصلها اللّه تعالى الى من يشاء حيث استعدّ لفيضان تلك الفيوضات و يصرفه عمّن لم يكن بهذه المرتبة و لم يستعد لفيضان تلك الرحمة.
بيان تلك الإصابة و الصرف انّ ضوء لمعان ذلك البرد الذي من عالم الأنوار لا يسع كل أحد أن ينظر إليه فضلا عن أن يطلبه و يأخذه، لأنّه يذهب بالأبصار الغير المستعدة، و ذلك لأنّ تقليب الليل و النهار بيد اللّه تعالى، فبأمره سبحانه هذه الطبيعة السماوية و العناية الإلهية أو الأرواح و الأملاك القدسية التي فوق السماوات تحرّك الأفلاك و تدبّر أمر الليل و النهار، أو لأنّ مقلب القلوب الظلمانية الفاقدة لنور ذلك الاستعداد و النورانية القابلة لتلك الفيوضات هو اللّه سبحانه، و أنّ في تنزيل البرد و إصابة من يشاء اللّه من عباده و عدم قابلية كل أحد لاحتماله و تقليب [٢] الليل و النهار الحقيقيّين أو القلوب المؤمنة و الكافرة اعتبارا لأهل البصيرة حيث يسلكون من ذلك الى ما فوقه من العلل المتقابلة و الأسماء الإلهية من الجلالية و الجمالية، ثمّ الى ما فوق [٣] ذلك ممّا لا رخصة لذكره و اللّه المستعان.
[١] . أو: و ن.
[٢] . تقليب: تقلب د.
[٣] . فوق: فوقه د.